خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

آفات الاستشراق

ID 26985775 © Guernica | Dreamstime.com

يعد الاستشراق سواء قديمًا وحديثًا من أكبر الآفات التي ابتلي بها الشرق، فقد كان في أغلبه وبالاً على الإسلام والمسلمين، رغم أن بعض المستشرقين أنصفوا الإسلام، وبعضهم دخل الإسلام، فإن غالبيتهم العظمى دخلت الشرق بنوايا خبيثة وتعليمات كنسية واضحة، فتعلموا اللغة العربية، وبعضهم حفظ القرآن الكريم، ليس حبًّا وكرامة ولكن لدراسة الشرق وفهم قضاياه، ومن ثم الارتداد عليه ونقده وإقامة الدراسة حوله.

إن وضع الشرق على طاولة البحث، واعتبره جثة هامدة جاهزة للتشريح والبحث، يعد من أكثر الآفات التي صنعها الاستشراق، فقد صنع بنفسه حالة معينة اتهم فيها الشرق بالجهل والتخلف والضعف، ولذا ادعى لنفسه أن الشرق مريض وفي حاجة ماسة إلى العلاج الثقافي من الغرب المتقدم، وحتى قضايا اللغة العربية لم تسلم منهم، فبعضهم ألف كتابًا أو أكثر في اللغة العربية، ومن من اتهم علماء اللغة بالجهالة وسوء التصنيف، وذكر لذلك أسبابًا واهية، وذلك لأنه نشأ في بيئة غير عربية، ولم يعلم من اللغة إلا القشور.

أما الآفة الثانية فتكمن في اختلاق الأكاذيب حول الإسلام والمسلمين، فنتيجة سوء فهمهم للشرق الإسلامي وطبيعة مقدساتهم، فإنهم اعتبروا أنفسهم أوصياء على الإسلام وأنهم يخدمونه بأفكارهم الجديدة، فكأنهم كذبوا كذبة كبيرة ثم صدقوها ودعوا المسلمين والعرب لتصديقها، يريدون بذلك تضليل المسلمين عن دينهم وعقيدتهم.

من المعلوم أنه لا يوجد علم يسمى بالاستغراب، ليكون مقابلاً للاستشراق، وهذا ناتج عن المسار الخاطئ الذي اتبعوه، فحتى الدراسات التي يقوم بها المسلمون عن الغرب لا يمكن تسميتها تحت مسمى خاص بها، بل إن أقصى الجهد أنها نسميها دراسات بينية.

ونجد أن شخصية مثل اللورد كرومر باعتباره المندوب السامي البريطاني في مصر والمسؤول عن عدة مهمات استشراقية في المنطقة، يصف المصريون في كتاباته وفي أقواله أمام برلمان بلده، بأنهم متخلفون ورجعيون، وأنهم يتركون الرصيف ويمشون في الطرقات، بما يدعم موقف بريطانيا في حكم مصر، لأنهمحسب وصفهلا يستطيعون حكم أنفسهم، ولا يقدرون قيمة بلادهم، وأنهم يطالبون بالاحتلال الذي يعينهم على تخطي مشاكلهم. وهذا الكلام لا يخرج إلا من إنسان إمبريالي يود التحكم في مصير الشعوب بهدف إخضاعها وإذلالها بحجة أن الشعب يريد ذلك، وأنهم متخلفون وجاهلون، وتلك فرية الاستشراق في كل عصر.

وتتمثل الآفة الكُبرى للاستشراق في أنه يمثل نوعًا من الاحتلال الثقافي، فبدلاً من دخول الغرب بجيوشه الجرارة إلى  الشرق وتكبد الخسائر ولو كانت قليلة، وإنفاق الأموال الكثيرة، فإن الغرب قد أيقن أن أسلوب الحرب قد تغير منذ زمن طويل، فبعد خروج القوات الغربية من أغلب البلاد العربية والإسلامية، أخذ يفكر في الحيلة التي يسيطر بها على الشرق، فكانت الحاجة ملحة لنشر المستشرقين في الأصقاع الإسلامية، ثم بعد ذلك نقل الأفكار التي يودون بثها من خلال أسلوب متقن، ومن خلال أناس يحيون بيننا ويتكلمون بلغتنا، فيكون تأثيرهم عميقًا في النفوس وأشد إيقاعًا بالناس من الجيوش والسلاح.

ثم شهدنا بعد ذلك نوعًا من الإمبريالية الثقافية في العصر الحديث تزيد وطأة عن الإمبريالية الاستعمارية في السابق، إنها العولمة الثقافية والتأثير الثقافي الذي يحاول الغرب فرضه على الشرق، وهو ناجح فيه بكل جدارة، فهو المتحكم في الاختراعات والاكتشافات الحديثة، ولذا فإن الشرق يسير خلفه مغمض العينين، وبدلاً من الحرب العسكرية فقد تحول الأسلوب إلى فرض السيطرة عن بُعد، وتم بذلك التحكم في أغلب حكومات الشرق، وخاصة من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية.

إن الاستشراق رغم ما شكله من مزاعم وخرافات حول الشرق، فإنهم لم ينل منه إلا القسط القليل، وبقى الشرق متماسكًا وقويًا لفترات طويلة، ولذا وجب علينا أن نكون حريصين منهم واعين لهم، نقرأ كتابات رواده بتمعن وفكر، فلا يمر علينا وصفهم للرسالة بأنهم الرسالة المحمدية، ونسكت أو نتجاوب معهم، لأنهم بذلك ينزعون عني النبي صلى الله عليه وسلم نبوته، ويتم اعتباره شخصية تاريخية مؤثرة، وتلك من مغالطاتهم الكثيرة.