خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أبو المسك كافور الإخشيدي

© Sukarman _ | Dreamstime.com

اشتهر بكونه عبدًا خصيًا، وجاءت كل صفاته القبيحة من هجاء المتنبي له حين كان في خصومة معه، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فقد كان الرجل ملمًا بسياسة الحكم وتدابير شؤون الدولة عارفًا بما يجب أن يفعل. وهو أبو المسك بن عبد الله كافور الإخشيدي، الخادم الحبشي الخصِيّ، صاحب مصر والشام والمدينتين المقدستين مكة والمدينة المنورة، اشتراه سيده مؤسس الدولة الإخشيدية بمصرأبو بكر محمد بن طغج، رباه وأعتقه ثم رقّاه حتى جعله من كبار القادة وأتابكمربي أولاد الأمراء، ولكنه لما رأى منه الحزم والعقل وحسن التدبير، كنّاه بأبي المسك.  يقول عنه الذهبي: “وكان مهيبًا سائسًا حليمًا وقورًا لا يشبه عقل الخدم“.

دامت الدولة الإخشيدية أربعًا وثلاثين سنةً، وكانت إمارته منها ثلاثًا وعشرين سنة، استقل منها بالحكم سنتين وثلاثة أشهر، فحافظ على ملك مصر ونظامها، ولكن المتنبي قد شوَّه سيرته عبر التاريخ، فهجاه بسبب حفاظه على أموال مصر وعدم إفراطه في عطاء الشعراء، فذاع هجاء المتنبي للإخشيد دون أن تنتشر حقيقة إدارته للدولة ولا حنكته وحكمته في إدارة شؤون مصر.

من يود معرفة كافور عن طريق ما كتبه بعض الشعراء مثل المتنبي وغيره، فإنه لن يصل إلى الحقيقة، لأن الناس لم تحفظ عنه أبيات المدح ومفاخر الأفعال، بل ذكرت عنه فقط الهجاء وفضائح الأفعال، وهذا لا يجوز ولم يمثل الحقيقة في شيء. إن التاريخ لا يَسْلم من التزوير حينما يؤخذ من أفواه الشعراء، ولا سيما أولئك الذين يتخذون من شعرهم مصدرًا لنيل المجد وتحقيق الملذات النفسية، وحين لم يجد المتنبي بغيته عند كافور هجاه بأقذع الأبيات، ثم لاذ بالهرب من مصر خفية، واتصل بعد ذلك بعضد الدولة البويهي الرافضي الذي حكم بغداد في تلك الفترة، وقال فيه المتنبي شعرًا رائعًا.

ومن الأمور الحسنة التي اشتُهرت عن كافور، الشجاعة والتدين والعدل والشهامة والحلم، فنحن أمام رجل قال عنهابن كثير: في تاريخه: كان شهمًا شجاعًا ذكيًّا جيد السيرة مدحه الشعراء، ولو لم يكن كافور الإخشيدي حاكمًا مقتدرًا بارزًا في عصره، لما قصده المتنبي في مصر، ولو لم يكن كافور من الفطنة والاقتدار في الحكم، لما مدحه المتنبي بأفضل شعره، فإن ما قاله المتنبي فيه من مدح وثناء يتجاوز رونقًا وجمالاً ما قاله في غيره.

وأما مسألة العبودية فليس فيها من عيب إذا علمنا أن يوسف عليه السلام، قد ابتلاه الله بشؤمها، فقد بيع في مصر بثمن بخس، ثم يتحول بعد ذلك إلى الحاكم الفعلي في مصر، ولعل وضع كافور يمثل تجربة متشابهة في كسر حواجز العبودية، حتى اعتلى سُدة الحكم في مصر، فقد بيع في مصر بثمانية عشر دينارًا، وإذا كان قد ابتلي بالعبودية، فإن الله قد امتنّ عليه بمواهب خارقة، فقد كسب حب الناس ورضاهم بعدله، فكان يداوم الجلوس في الغداة والعشي من أجل قضاء حوائج الناس، يتهجد ممرغًا وجهه وساجدًا داعيًا الله ألا يسلط عليه أحدًا.

كانت تقرأ عنده في كل ليلة السير وأخبار الدولة الأموية والعباسية، وكان يدعى له في الحرمين الشريفين والمنابر الإسلامية المشهورة. وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بابًا دون الفتن الكبرى التي حلت بالأمة الإسلامية بعد موته، فقد كان كافور في زمن آخر سدًّا منيعًا دون فتنة العُبيديين الذين تمكنوا من حكم المغرب العربي، وهم يرون أن كافورَ سدٌّ يحول بينهم وبين الاستيلاء على مصر والحجاز، وقد باءت كل محاولاتهم التوسعية في مصر بالفشل، ولم يستولوا عليها إلا بعد أن تأكدوا من موت كافور.

وكان الفاطميون يقولون: “لن نستطيع فتح مصر قبل زوال الحجر الأسود، يعنون كافورَ بذلك. لقد كان كافور بذلك شخصية قوية وحازمة ومدبرة بعكس ما أشيع عنه من خلال الأشعار والنوادر والخرافات.