خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أبو المعالي القزويني: قاضي قضاة دمشق

كان رجلاً معروفًا في عصره بهيئته المميزة وشكله السمين مع جمال الوجه وحُسن الخُلق والخَلق، متواضعًا كريمًا، ولِد بتبريز في سنة 653 ه، وتوفي رحمه الله تعالى في 15 من ربيع الآخر سنة 699 هـ. قال عنه صلاح الدين الصفدي: “قاضي القضاة إمام الدين أبو المعالي القزويني الشافعي، قاضي القضاة بدمشق، ابن القاضي سعد الدين، ابن القاضي إمام الدين. وهو أخو قاضي القضاة جلال الدين القزويني، كان تام الشكل سمينًا، جميل الوجه وسيمًا مبينًا. أخلاقه لطيفة، وحركاته ظريفة. يتواضع لمن يلقاه، ويتنازل وهو في أعلى مرقاه، عقله جيد إلى الغاية، ونبله متصل بالنهاية، بارع الفضيلة”.

قام بسياسة الناس بشكل جيد، فملَك منهم القلوب والأسماع، فستر عيوبهم وتغاضى عن منكرهم، وأسدى لهم المعروف، فلم يأخذ عليه ذنبًا، ولم يقف عند أخطائهم، فكان حسن المدارة، وأمنهم في مناطقهم، وكانت له مواقف مشهودة منها أنه لما بلغه خير قدوم التتار إلى ديار الإسلام حزن حزنًا شديدًا، وترك دمشق وقد أصابه ما أصابه من ألم ووجع: و”انجفل مع الناس إلى القاهرة، ورأى الناس منه عيانًا ما كانت تأتيهم به أنباؤه السائرة. فما أقام بها غير أسبوع واحد، حتى لحده اللاحد”. وقد دل ذلك على وقع المصيبة عليه وشدة الأخبار المتواترة بفظائع التتار وما فعلوه بالمسلمين، فلم يحتمل الصدمة فمات في القاهرة.

وكان أبو المعالي يشتغل في أول أمره عند العجم والروم، وقد قدِم دمشق في الدولة الأشرفية، وهو وأخوه جلال الدين، فتم إكرامهما لفضلهما وعلمهما، وقد اتخذ أبو المعالى من مهنة التدريس موردًا لرزقه في بداية قدومه وعمِل بعدة مدارس. ثم بدأ بعدها يبرز نجمه ويتصاعد رويدًا رويدًا. ويبدو أن كل من تدرج في القضاء في هذا الزمن قد بدأ حياته أولاً معلمًا، ثم انتقل بعد ذلك للقضاء، ويدل ذلك على أهمية المعلم في تلك الفترة وعلى مكانته العالية في النفوس، وأن تقدير العلم وأهله كان أمرًا لازمًا في تلك المنطقة.

وقد تولى إمام الدين أبو المعالي القضاء في دمشق في أول دولة لاجين، وكان ذلك في سنة 696 هـ، وهو بذلك قد حل بدلاً عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. فكانت له خصال حميدة فاقت من سبقوه، إذ أحسن إلى الناس وداراهم، ولم يتخذ منهم موقفًا معاديًا، بل صادقهم وكان قريبًا منهم، ولم يترفع عليهم ويجلس في مجلسه وحيدًا، بل امتزج بهم وتداخل مع مشاكلهم. ولم يترك دمشق إلا في الهجمات التي باتت تضرب ديار الإسلام من جحافل التتر، ومن ثَمّ فقد خرج في مستهل شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين، وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى بعد مدة قليلة من وصوله إليها، وقد خرج بجنازته خلق كثيرون من الأعيان وغالبية الناس. قال عنه الصفدي: “وكان ينتسب إلى أبي دلف العجلي، وفيه يقول الشيخ صدر الدين بن الوكيل، رحمهما الله تعالى:

انتسب القاضي إلى قاسم … فصدقوا كلوتة الرجل

العجل من ثور يرى دائمًا … وما رأينا الثور من عجل

وكان القاضي إمام الدين أبو المعالي رحمه الله تعالى فاضلاً في الأصول والخلاف والمنطق، وشرح مختصر ابن الحاجب”. أي أنه كان متمكنًا من الأصول الفقهية ويعي الأمور التي تكون مظنة للخلاف، وعلى دراية بعلم المنطق، وتلك عدة القاضي الرئيسة التي لا بد أن يحتاط بها ويلزمها حتى يستطيع أن يحكم بين الناس. إضافة إلى مجهوده العلمي، فقد قدم شرحًا وافيًا لمختصر بن الحاجب، وأخلاقه الرفيعة التي تمتع بها، ومكانته التي حظي بها بين أهل دمشق.