أبو بصير: الصحابي الذي رفض الأسر

شخصيات 17 Jumada Al Akhira 1442 AH Contributor
أبو بصير
© Nflane | Dreamstime.com

يعد الصحابي الجليل أبو بصير واحدًا من أعلام الصحابة الكرام، الذين بذلوا الغالي والنفيس في نصرة الإسلام والمسلمين. ذلك أنه قد رفض أن يقع في أسر المشركين بعد صلح الحديبية وقاد ضدهم حربًا ضروسًا أذاقتهم عنتًا شديدًا. حتى اضطروا لتغيير شروط صلح الحديبية والتي كان بها إجحاف للمسلمين.

من هو أبو بصير؟

هو عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سلمة بن عبد الله بن غيرة بن عوف بن ثقيف. كان حليفًا لبني زهرة، وهو من الصحابة الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة. فلما كان صلح الحديبية كان من ضمن بنود الصلح وشروطه، أن من ترك المدينة والتحق بقريش مشركًا فإنها لا تُلزم برده إلى المسلمين. وأن من جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلمًا فإنه يلزم برده إلى قريش. وقد كان هذا الشرط من أشد الشروط على المسلمين الذين فرّوا من مكة إلى المدينة بعد الحديبية.

استطاع أبو بصير الفرار من أسر المشركين وعذابهم في مكة، وقد وصل إلى المدينة ودخل على النبي –صلى الله عليه وسلم- وعليه أثر العذاب. ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى دخل رجلان أرسلتهما قريش على إثره. وقد كان هذا الموقف شديدًا على النبي والمسلمين، فإما أن يمنعوا أبا بصير ولا يسلمونه لقريش. وبهذا ينقض الصلح معهم. وإما أن يسلمونه لقريش وربما يفتن في دينه.

لقد اقتحم أبو بصير كثيرًا من الصعاب من أجل أن ينضم للمسلمين في المدينة المنورة، وينعم بعبادة ربه وإقامة شعائر دينه. وقد أمره النبي أن يرجع إلى مكة وفاء بعهده مع قريش وهذا درس عظيم في الوفاء. ذلك أن النبي كان يعلم أن هذا الأمر اختبارًا له وللمسلمين فوفى بعهده مع المشركين لأنه يعلم أن الله لن يضيعه.

رد فعل النبي

تعجب أبو بصير من رد النبي -صلى الله عليه وسلم- له وأمره بأن يرجع مع الرجلين المشركين إلى مكة. وتساءل عن جدوى ذلك فلو عاد إلى المشركين ربما يفتنونه عن دينه. فقال له رسول الله –صلى الله عليه وسلم- “يَا أَبَا بَصِيرٍ، انْطَلِقْ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيَجْعَلُ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا”. خرج أبو بصير مع الرجلين والحزن يخيم على المدينة المنورة. وفي الطريق نزل الرجلان لطعام لهما، فذهب أحدهما لقضاء حاجته، بينما مكث الآخر بجوار أبي بصير مشهرًا سيفه يتفاخر ويقول لأضربني بسيفي هذا الأوس والخزرج. فاحتال أبو بصير على المشرك وقال: يا فلان إني لأرى سيفك هذا بتارًا، وطلب منه أن يمسكه ليراه. فأعطاه المشرك السيف.

فما كان من أبي بصير إلا أن أمسك السيف وأجهز على المشرك. عاد المشرك الآخر من قضاء حاجته فوجد صاحبه صريعًا مجندلًا  فذهب مسرعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقصّ عليه الخبر. وما هو إلا وقت يسير حتى دخل أبو بصير المسجد وفيه يده السيف يقطر دمًا. وطلب من النبي مرة أخرى أن يضمه لكن النبي رفض وفاء بالعهد مع قريش.

فقال يا رسول الله أعطني رجالًا أفتح لك مكة، فقال النبي: ويل أمه، مسعر حرب لو كان معه رجال. وقد أمر النبي أبا بصير بالخروج إلى المدينة. فاستجاب وذهب إلى منطقة سيف البحر بين مكة والمدينة، وقد اجتمع إليه كل من فرّ من المشركين. فاكتمل عدد المسلمين ستين أو سبعين رجلًا. وجعلوا لا تمر عليهم عير لقريش إلا تعرضوا لها وأخذوا ما فيها. حتى اشتد الأمر على قريش وطلبت من النبي أن يسقط الشرط المجحف بحق المسلمين والذي يقضي بردهم إلى قريش إن هم خرجوا إلى المدينة.

لقد قام أبو بصير ببطولة كبيرة. رفض من خلالها الخنوع والخضوع للمشركين. وبذل الغالي والنفيس حتى اضطر المشركون إلى التنازل عن الشرط المجحف بحق المسلمين.

 

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية والتاريخية