خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الفقيه الغرناطي: أبو جعفر القليعي

أبو جعفر القليعي هو أحمد بن خلف بن عبد الملك الغساني القليعي، أحد وجهاء غرناطة في زمانها ومن جملة أعيانها، كُني بأبي جعفر، وتنسب إليه الساقية الكبرى المجاورة لطوق الحضرة وصولاً إلى إلبيرة، وما حولها ويتبعها. كان من أهل الفقه والإحسان، وعلامةً مضيئة في عصره وبين أبناء جيله، قال عنه ابن الصيرفي: “كان الفقيه أبو جعفر القليعي، من أهل غرناطة، فريد عصره، وقريع دهره، في الخير والعلم والتلاوة، وله حزب من الليل، وكان سريع الدمعة، كثير الرواية، وهو المشار إليه في كل نازلة، وله العقد والحل والتقدم والسابقة، مع منة في جلائل الأمور، والنهضة بالأعباء وسمو الهمة”.

أبو جعفر القليعي وأهم صفاته

وتلك أوصاف لا تتأتى إلا لرجل ذي تأثير وهمة عالية وقدرة على ضبط النفس ومقاومة الأهواء، مما أورثه خشيةً لله تعالى وجعل دمعته قريبة المنال، بما يدل على سلامة قلبه وأنه لين وحساس يخشى ربه تعالى في كل ما يقوم به. ومن لطائفه أن أمير بلده “باديس بن حبوس”، أراد أن يقتله خشية منه، لكن الله تعالى حماه من ذلك بعلمه وفقهه، فغل اليد التي تريد تتطاول عليه، وأغمد السيف المشرع في وجهه.

كان لأبي جعفر القليعي مكانةٌ عند أهل العلم الذين تلقى على يديهم طرفًا من العلم، ومن ثَمّ فقد روي عن جماعة منهم، مثل: أبي عمر بن القطان، وأبي عبد الله بن عتاب، وأبي زكريا القليعي، وأبي مروان بن سراج، وكان مع ذلك ثقةً صدوقًا، أخذ عنه الناس العلم. وكانت له محنة ذكرها لسان الدين بن الخطيب فقال عنها: “ولما أجاز “أي: عَبَر” أمير لمتونة يوسف بن تاشفين البحر مُستدعًى إلى نصر المسلمين، ثاني حركاته إلى الأندلس، ونازل حصن أليط، وسارع ملوك الطوائف إلى المسير في جملته.

وصوله ومنصبه

كان ممن وصل إليه الأمير عبد الله بن بلكين، بن باديس صاحب غرناطة، ووصل صحبته الوزير أبو جعفر بن القليعي، لرغبته في الأجر مع شهرة مكانه، وعلو منصبه، ولنهوض نظرائه، من زعماء الأقطار، إلى هذا الغرض، وكان مضرب خيام القليعي قريبًا من مضرب حفيد باديس، ولمنزلته عند الأمير يوسف بن تاشفين، وله عليها الحفوف وله به استبداد، وانفرادٌ كثير، وترددٌ كثير، حتى نفى بذلك حفيد باديس “أي: كان المفضل عن الأمير يوسف دون سواه، بما جعل حفيد باديس يشعر بالإبعاد”. قال المؤرخ، وكيفما دارت الحال، فلم يخل من نصحٍ لله ولأمير المسلمين.

فلما وصل حفيد باديس إلى غرناطة، طلب أن يُحضر أمامه، وقام من مجلسه مغضبًا، وتعلقت به الخدمة، وحفت به الحاشية “والمعنى: قامت خائفة من غضبته تلك، وقصدوا أبا جعفر القليعي”. وقد هموا بضربه، إلا أن أم عبد الله تطارحت على ابنها في استحيائه، فأمر بتخليصه، وسجنه في بعض بيوت القصر، فاقبل فيه على العبادة والدعاء والتلاوة، وكان جهير الصوت، حسن التلاوة، فارتج القصر، وسكنت لاستماعه الأصوات، وهدأت له الحركات، واقشعرت الجلود. وخافت أم عبد الله على ولدها، عقابًا من الله بسببه، فلاطفته حتى حل قيوده، وأطلقه من سجنه”.

بماذا امتاز؟

وقد امتاز أبو جعفر القليعي بكونه رجلاً قوي القلب، شديد الجزم، لا ينوي فعل شيء إلا قام له وسعى إليه وقاتل من أجله ما دام على الحق والصواب، لذا فإنه بعد إطلاق سراحه قام إلى جمل بالليل فركبه وانطلق به فلم ينبلج الصبح إلا وهو في قلعة يحصب، ثم انطلق منها قاصدًا يوسف بن تاشفين في قرطبة، فقام وتحدث معه وخطب بما حدث له وبالسبب الذي حركه من غرناطة إلى هنا، فما كان من ابن تاشفين إلا أن قرر خلع عبد الله. وفي الصباح بحث صاحب غرناطة عن أبي جعفر القليعي، فلم يجده وعلم بأمره ولحاقه بمأمنه، فلام نفسه على ما حدث، وصب غضبه وندمه على أمه ولات حين مندم. ولم يزل أبو جعفر في حظوة، معروف الحق، له صيت بعيد، وذكر مجيد، وصاحب مرتبة عالية بين الناس إلى أن وافته المنية.

المرجع:

الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين بن الخطيب.