خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة الفتى المدني مع أبي جعفر المنصور

في زمن الخليفة أبو جعفر المنصور يروي لنا المدائني قصة طريفة وقعت بينه وبين فتى من أهل المدينة، وانصبت هذه القصة حول زيارة الخليفة للمدينة المنورة بعد قضاء فريضة الحج، وقد أراد فتى يعرف بيوت المدينة ويمكنه من تتبع الآثار والرسوم ليعرفه بديار أهله وأقاربه في المدينة.

أبو جعفر المنصور وذهابه للحج

وقد وردت تلك القصة في كتاب جمع الجواهر في الملح والنوادر، وتقول القصة: “لما حج أبو جعفر المنصور قال للربيع: “أريد فتى من أهل المدينة أديبًا ظريفًا عالمًا بقديم ديارها، ورسوم آثارها فقد بعد عهدي بديار قومي، وأريد الوقوف عليها”.

فالتمس له الربيع فتىً من أعلم الناس بالمدينة، وأعرفهم بظريف الأخبار، وشريف الأشعار؛ فعجب المنصور منه، وكان يسايره أحسن مسايرة، ويحاضره أزين محاضرة، ولا يبتدئه بخطاب إلا على وجه الجواب؛ فإذا سأله أتى بأوضح دلالة، وأفصح مقالة؛ فأعجب به المنصور غاية الإعجاب.

وقال للربيع: ادفع إليه عشرة آلاف درهم؛ وكان الفتى مملقًا مضطرًا “أي: ذو حاجة وعوز”، فتشاغل الربيع عنه واضطرته الحاجة إلى الاقتضاء، فاجتاز مع المنصور بدار عاتكة ذات يوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية الذي يقول فيه الأحوص بن محمد:

يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدا وبه الفؤاد موكّل

فقال المنصور: ما هاج منه ما ليس هو طبعه: من أن يخبر بما لم يستخبر عنه، ويجيب بما لم يسأل عنه؟ ثم أقبل يردد أبيات القصيدة في نفسه إلى أن بلغ إلى آخرها وهو:

وأراك تفعل ما تقول وبعضهم مذق اللسان يقول ما لا يفعل

فتى لبيبا ذا فصاحة

والمعنى: أن الفتى كان لبيبًا، ولكي يظهر حاجته لأمير المؤمنين، فإنه قال ذكره بقصيدة الأحوص التي قالها في بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وذلك لكي يقف على البيت الأخير فيها، فيعلم دلالة الحال، ويفهم أنه يقصد هذا المعنى بذاته، وأن قاله للربيع لا شك أن يكون فاعلاً له، وعندما تفهم الخليفة هذا، دعا بالربيع وقال له:

“هل دفعت للمدني ما أمرنا له به؟ فقال: أخرته علة كذا يا أمير المؤمنين، قال: أضعفها له وعجلها. أي ادفعها إليه فورًا دون تلكؤ أو بطء مع مضاعفتها من عشرة آلاف درهم إلى عشرين ألف درهم. فكان هذا الموقف من أحسن المواقف إفهامًا من الفتى الذكي، وأدق فهمًا من المنصور، بحيث لا يكاد يُسمع في التعريض بالطف منه.

المستفاد من القصة

نتعلم من تلك القصة أن الإنسان إذا أراد شيئًا من شخص ذي سلطان، فإنه ينبغي عليه أن يطلب هذا الشيء بطريقة جذابة، بحيث يلفت النظر فقط ويلمح دون أن يصرح، لأن الملوك والسلاطين قد ينشغلون عن بعض الأمور، فإذا ما تذكّروا ما قطعوه على أنفسهم فعلوه فورًا. ونتعلم أيضًا أن الإنسان يجب أن يكون ذكيًا ولمحًا، فإذا جاءته فرصة للتميز والابتكار والخروج من الموقف بكل أريحية، فعليه ألا يتردد في اقتناصها والحصول عليها والاستفادة منها في الوقت المناسب.

كما نستفيد من تلك القصة أن الفصاحة والبلاغة من الأمور التي تميز الإنسان وتجعله قادرًا على إيصال المعاني والتعبير عن الأفكار بكل سهولة ويسر، وأنها ملكة مهمة في تسليط الضوء على بعض الأمور التي قد يتحير المرء في إظهارها للناس، ولكنه إذا لجأ إلى بعض الأساليب البلاغية فإنه يصل إلى ما يصبو إليه.

كذلك نتعلم منها أن الإنسان لا يعلم من أي باب يأتي الخير، ولا من أي ركن يتسابق إليه الرزق، لذا يجب على الإنسان أن يُحسن الظن بالله تعالى أولاً، وبما يمتلكه ثانيًا، وأن يستبشر خيرًا مهما كان حاله، فلا يعلم من أين يأتي الفرج.

المرجع:

كتاب: جمع الجواهر في الملح والنوادر، الحصري القيرواني.