خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أبو فراس الحمداني: الفارس الشاعر

هو أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة، شاعر مجيد، وفارس لا يشق له غبار، اتصل بنسبه من أمه إلى الروم، لكنه بقي وفيًا لعروبته، ولذا أسره أخواله من الروم مرتين نجا فيهما من الموت المحقق، يقال إن مولده كان في سنة 320 هـ، وقيل في سنة 321 هـ، كان معاصرًا لأبي طيب المتنبي، وإن كان أصغر منه سنًّا، ولكنه كان يرى نفسه أعلى نسبًا وشرفًا منه، ويترفع بشعره ودقة وصفه، حتى قال عنه المتنبي في بلاط سيف الدولة: أنت لا تحتاج إلى شهادة أحد على شاعريتك.

وصفه الثعالبي قائلاً: “كان فرد دهره، وشمس عصره، أدبًا وفضلاً، وكرمًا ومجدًا، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر، بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة، ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك، ولم تجتمع هذه الخِلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة”.

وكان الصاحب بن عباد يقول: “بُدئ الشعر بملك وختم بملك”، يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيبًا له وإجلالاً، لا إغفالاً له. وكان سيف الدولة يعجب جدًا بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويتخذه صاحبًا في غزواته ويستخلفه في بعض أعماله.

وكانت الروم قد أسرت أبا فراس في بعض المعارك، وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه، ونقلته إلى خرشنة، ثم منها إلى قسطنطينية، وذلك في سنة 348 هـ، وفداه سيف الدولة. ومما روي عنه أيضًا أنه أُسر مرتين؛ فالمرة الأولى بمغارة الكحل في عام 348 ه، ولم يتعدوا به خرشنة، وهي قلعة في بلاد الروم ويجري الفرات من تحتها، ويقال إنه ركب فرسه وركضه برجله، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات، هربًا من الأسر. والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوال سنة 351 هـ، وحملوه إلى قسطنطينية. وأقام في الأسر أربع سنين، وله في أسره أشعار كثيرة مثبتة في ديوانه. وكانت مدينة منبج إقطاعًا خاصًا له.

وقال ثابت بن سنان الصّابي في تاريخه: “في يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمئة جرت حرب بين أبي فراس وكان مقيمًا بحمص، وبين أبي المعالي بن سيف الدولة. واستظهر عليه أبو المعالي فقتله في الحرب وأخذ رأسه وبقيت جثته مطروحة في البريّة إلى أن جاء بعض الأعراب وكفّنه ودفنه”.

وقال آخرون عن وفاته: “كان أبو فراس خال أبي المعالي فلما بلغت وفاته أم أبي المعالي لطمت وجهها وقلعت عينها. وكان مولده سنة عشرين وثلاثمئة فعاش سبعًا وثلاثين سنة”. وقال ابن خلكان: “رأيت في ديوانه أنّه لما حضرته الوفاة كان ينشد ابنته مخاطبًا لها:

نوحي عليَّ بحسرةٍ … من خلف سترك والحجاب

قولي إذا كلَّمتني … فعييت عن ردِّ الجواب

ومن شعره:

قد كنت عدتي التي أسطو بها … ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي

فرميت منك بضد ما أملته … والمرء يشرق بالزلال البارد

فصبرت كالولد التقي لبره … أغضى على ألم لضرب الوالد

وهناك أقوال أخرى حول وفاته تقول إنه جُرح على يدي أبي المعالي بن سيف الدولة، لأنه لم يمت في أرض المعركة، بل إنه مات من الجراحات بعد ذلك بمدة قصيرة. وأيما يكن فقد كان موته ناتجًا عن تلك المعركة بينه وبين ابن سيف الدولة، وهو بذلك لم يتم أربعين سنة وقت موته، ومع ذلك فقد كان رجلاً شاعرًا فذًا وفارسًا لا يشق له غبار وقائدًا يتمتع بالحنكة والإقدام، متمسكًا بعروبته وأصله العربي مدافعًا عن الإسلام والمسلمين ضد هجمات الروم المتوالية على أطراف الدولة الإسلامية.

المراجع:

  • الوافي بالوفيات، صلاح الدين الصفدي.
  • وفيات الأعيان، ابن خلكان.