خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الموقف البطولي لأبي محجن الثقفي في يوم القادسية

ID 164629854 © Fotokon | Dreamstime.com

أبو محجن الثقفي أحد علامات الشجاعة في التاريخ الإسلامي، لقد كان موقفه يوم القادسية من مواقف الشرف والبطولة والإيثار وحب التضحية في سبيل الله تعالى والزود عن دينه، وهذا الموقف يسطر بحروف من ذهب ويكتب في جبين التاريخ لنصاعته وعزته وقوته، فرغم أنه شرب الخمر وأمر قائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بتقييده، فإنه ظل متشوقًا لقتال العدو، نادمًا على ما اقترفه من إثم، وتمنى أن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو ينتصر، أما أن يربط ويسجن في خيمة بعيدًا عن الفرسان، فإن هذا ألم لم يتحمله أبو محجن رضي الله عنه، وأصر على القتال فكان له ذلك في النهاية، لكنْ كيف كان ذلك؟ هذا ما نتعرف إليه في السطور التالية.

أبو محجن الثقفي وشرب الخمر

مما رُوي عن هذا الموقف البطولي لأبي محجن الثقفي ما ذكره إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه، أنه قال: “أُتي سعد بأبي مِحجَن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذٍ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب “وهو من أرض الكوفة، والمقصود مكان عالٍ ليراه الجنود”, لينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما الْتَقى الناس.

قال أبو محجن: “كفى حزَنًا أن تُطرَدَ الخيلُ بالقنا … وأُترَكَ مَشدودًا عليَّ وَثَاقِيَا”, فقال لابنة خصفة امرأة سعد “أي نادى عليها من وراء الخيام”: أطلقيني ولك الله عليَّ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قُتلت استرحتم مني، قال: فحلَّته حين الْتَقى الناس، فوثب على فرس لسعد يُقال لها: البلقاء، ثم أخذ رمحًا، ثم خرج، فجعل لا يَحمل على ناحية من العدو إلا هزَمَهم.

:جعل الناس يقولون

“هذا مَلَكٌ؛ لِما يرَونه يصنع، وجعل سعد يقول: “الضبر ضبر البلقاء، (والمقصود بالضبر: إذا جمع الفرس قوائمه ووثب، الصحاح للجوهري 2/282)، والطعن طعن أبي مِحجَن، وأبو محجن في القيد!”، فلما هزم العدو، رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، وأخبرت ابنة خصفة سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: “لا والله، لا أضرب بعد اليوم رجلاً أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم”، فخلى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام عليَّ الحد وأُطَهَّر منها، فأما إذا بهرجتني (أي: أهدرتني بإسقاط الحد عني؛ النهاية في غريب الحديث والأثر؛ لابن الأثير 1 / 436)، فلا والله لا أشربها أبدًا” (انظر: سنن سعيد بن منصور: 2/235، رقم: 2502).

موقف بطولي

إن ذلك الموقف البطولي يتضح في أن أبا محجن رضي الله عنه رغم أنه شرب الخمر، فإن ذلك لم يكن حائلاً بينه وبين الجهاد في سبيل الله، وأنه استطاع بتوفيق الله له ومساعدة زوج سعد بن وقاص رضي الله عنه، أن يقوم إلى القتال ويُحسن في ذلك لدرجة جعلت المقاتلين يظنونه ملكًا من عند الله تعالى. كما أن ذلك الموقف كان في يوم القادسية، تلك المعركة التي انتصر فيها المسلمون على دولة الفرس المجوسية. وقد كانت العقوبة على قدر الذنب الذي ارتكبه أبو محجن رضي الله، وأنه امتنع عن الخمر بعد هذا اليوم.

ونستفيد من تلك القصة أن الذنوب يجب ألا توقفنا عن فعل الخير أو القيام بالطاعات، وأن نجاهد أنفسنا لنصل إلى طاعة الله ورضوانه. وأن التوقف أمام الخطأ وإصلاحه يعد أمرًا ضروريًا لتستقيم أحوالنا ونعود إلى رحاب الله عائدين منيبين. كما يتبين لنا قوة أبي محجن في القتال وبأسه وشدته وأنه كان قويًا في إلزام نفسه بالعودة عن شرب الخمر، والامتثال لأمر الله تعالى. كما يبين لنا حكمة زوج سعد رضي الله عنهما ورجاحة عقلها في أنها تركته يكفر عن ذنبه ويشارك في القتال، كما أنه لم يخيب ظنها وكان صادقًا في كلمته، فعاد بعد القتال وقام بتقييد نفسه من جديد.

المراجع:

– الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري.

– سير أعلام النبلاء للذهبي.

– مصنف ابن أبي شيبة 6 / 550، رقم: 33746.