خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أثر الإسلام على الحياة الأدبية العربية

ID 93050196 © Nikola Knezevic | Dreamstime.com

كيف أثر الإسلام على الحياة الأدبية؟ وكيف مزجت قريحة الشعراء بين الرصانة الشعرية الجاهلية، وبين معاني القرآن الجديدة والمبتكرة في شعرهم؟ والحقيقة التي لا شك فيها أن الإسلام كان مؤثرًا وبشدة على الحياة الأدبية، حيث أحدث ظهور الإسلام تحولاً جذريًا في حياة الأمة العربية ونقلها من طور التجزئة القبلية إلى طور التوحد في إطار دولة عربية تدين بالإسلام وتتخذ القرآن الكريم مثلاً أعلى لها. وكان لا بد لهذا الحدث العظيم من أن يعكس صداه القوي في الحياة الأدبية لهذه الأمة، على مستويات عدة شعرًا ونثرًا ومن الطبيعي أن النتاج الأدبي للأمة يتفاعل مع البيئة التي تظله ويخضع لمؤثراتها.

 وحين نقوم برصد الظواهر الأدبية في صدر الإسلام، يتبين بجلاء ما تركه الإسلام من بصمات واضحة في مسيرة الأدب وخصائصه ولغته وسماته. ومن أبرز آثاره ضمور فنون أدبية كانت مزدهرة في العصر الجاهلي، إلى جانب ظهور فنون جديدة أو تطور فنون قديمة. فقد قضى الإسلام على سجع الكهان الذي كان مرتبطًا بالوثنية الجاهلية ونهى الخطباء عن محاكاة ذلك السجع في خطبهم، وظهر لون من الخطابة يستقي من ينابيع الإسلام لغته ومادته.

وقد أخذ الشعراء يتركون النظم في الأغراض التي كانت حياة العرب في الجاهلية تدعو إليها، وبدلاً عن ذلك اتجهوا إلى أغراض دعت إليها البيئة الإسلامية، مثل: شعر الجهاد والفتوح والشعر الديني، وأصبح شعرهم يدور حول معانٍ تتصل بالقيم والمثل الإسلامية. وقد أوجد الإسلام مبادئ خلقية تلائم تعاليمه وروحه فانعكست هذه المبادئ في النتاج الأدبي في ذلك العصر.

    وقد وانتشرت الأقاويل التي تزعم بأن الإسلام قد وقف من الشعر والشعراء موقفًا مناهضًا مثبطًا، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: “وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُون”. (سورة الشعراء: 224-226)، وتلك مقولة غير صحيحة، ولذلك ينبغي أن نوضح أن الشعراء الذين ذكرتهم الآيات القرآنية إنما هم الشعراء الذين كانوا يحرضون على الفتنة، ويخوضون في الإفك والباطل، والذين كانوا يتصدون لهجاء المسلمين وهجاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس المقصود الشعراء كافةً، ولهذا استثنى تعالى الشعراء الذين لا تصدق عليهم الآيات السابقة بقوله بعدها: “إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون”. (سورة الشعراء: 227). وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يميل إلى سماع الشعر الجيد، وكان يشجع حسان بن ثابت وشعراء الأنصار على مهاجاة شعراء المشركين، وكان يقول لحسان رضي الله عنه: “اهجهم وروح القدس معك”، فالإسلام إذن لم يدعُ إلى التخلي عن الشعر كما أشاعوا، وإنما كان يقف موقفًا مناهضًا من الشعر الذي ينافي المبادئ والقيم الإسلامية، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في إطراء الشعر، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “إن من الشعر حكمة”. (صحيح مسلم)

    وكان للإسلام يد لا تنكر في ازدهار النثر الأدبي، ولاسيما الخطابة والترسل، فقد أصبحت الخطابة وسيلة لنشر الدين والوعظ وبيان مبادئ الإسلام والحض على الجهاد والدعوة إلى مكارم الأخلاق وبيان خطة الحكم، وكان الرسول عليه السلام وخلفاؤه خطباء مفوهين، وكذلك كان جل عمالهم وقوادهم. وقد دعا قيام الدولة الإسلامية واتساع سلطانها إلى الاستعانة بالكتابة والكتاب، وكانت الكتابة محدودة الانتشار في العصر الجاهلي فاتسع لها المجال في صدر الإسلام وأقبلت الناشئة على تعلم الكتابة، وذاع المربون وانتشروا في البلاد، وكان كبراء القوم يدرسون أبناءهم الفقه بجانب الأدب وعلوم اللغة ليتميزوا عن غيرهم.

إن الإسلام لم يوقف قريحة الشعراء عن الإبداع، بل أعاد تشكيل الروح الإنسانية بمشكلات جديدة، فخرج الشعر متأثرًا بتلك الروح، ونظرًا لانشغال المسلمون في المرحلة الأولى من صدر الإسلام بنشأة الدولة، فإن اهتمامهم بالشعر لم يكن قويًا، وقد اتسع نطاق الشعر وعاد لمراحل تفوق العصر الجاهلي بعض ذلك وخاصة في العصرين التاليين: الأموي، والعباسي.