خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أجمل أميرات الأندلس: ولادة بنت المستكفي

ID 25519649 © Shahid Khan | Dreamstime.com

هي دُرة تاج الأميرات الأمويات في الأندلس، وهي سلسلة الملوك والخلفاء، امتازت برجاحة العقل، وقوة الحجة وصلاحية الرأي، كانت ذات جمال أخّاذ وبهاء وجه ونضارة وحسن، وصاحبة شعر وقول ولها قصائد بارعة الحسن، فجمعت بين الشكل والعقل معًا، مما جعلها مقصدًا للأدباء وملاذًا لمجالس الشعر. ولا نعتقد أنه قد مر في تاريخ الأندلس قاطبةً امرأة تضاهيها أو تداني مكانتها.

إنها الأميرة الأموية ولادة بنت محمد المستكفي بن عبد الرحمن، كانت واحدة زمانها المشار إليها في آدابها، حسنة المحاضرة، أديبة شاعرة جزلة القول حسنة الشعر، وكانت تخالط الشعراء، وتساجل الأدباء وتفوق الجميع، ويُروى أنها كتبت بالذهب على طرف ثوبها الأيمن:

أنا والله أصلح للمعالي … وأمشي مشيتي وأتيه تيها

ثم كتبت على الجانب الأيسر:

وأمكن عاشقي من صحن خدي … وأعطي قبلتي من يشتهيها

ومع ذلك فقد كانت مشهورة بالصيانة والعفاف، محافظة على نفسها، ولم يكن قولها ذلك إلا من الشعر والمباهاة بالجمال ولفت نظر الآخرين إليها، وفيها هام ابن زيدون عشقًا، وكتب فيها القصائد والمقطعات، منها القصيدة النونية التي أولها:

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا … شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا

كان مجلسها في قرطبة ذائع الصيت، وله أثر كبير على العامة والخاصة، وكان يحضره الأدباء والشعراء والوزراء من كل حد وصوب، حتى قيل فيه: “كان مجلس ولادة بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعبًا لجياد النظم والنثر، يتهالك الكتاب والوزراء والشعراء على حلاوة عشرتها وسهولة حجابها”. ودل ذلك على امتلاء فنائها بجياد الضيوف، وعلى أنها تكن مستترة عن الضيوف بحجابها، وليست سافرة كما تظهرها المسلسلات في هذه الأيام.

يذكر أنها مرت يومًا بالوزير أبي عامر ابن عبدوس وهو جالس أمام بركة تتولد من مياه الأمطار، ويسيل إليها شيء من الأوساخ، فوقفت أمامه ونطقت ببيت أبي نواس في الخصيب والي مصر:

أنت الخصيب وهذه مصر … فتدفقا فكلاكما بحر

وقد تركته لا يحير جوابا ولا يهتدي صوابا. وكانت أولاً تهوى الوزير ابن زيدون، ثم مالت عنه إلى الوزير أبي عامر ابن عبدوس، وكان يلقب بالفار، وفي ذلك يقول ابن زيدون:

أكرم بولادة علقا لمعتلق … لو فرقت بين بيطار وعطار

قالوا أبو عامر أضحى يلم بها … قلت: الفراشة قد تدنو من النار

مال ابن زيدون إليها وشغف بها حبًّا حتى إنه كتب فيها وحدها عددًا كبيرًا من القصائد، وكلها قصائد حارة بالشوق والحب واللهفة، وعلى ما يبدو أنها كانت أمنية لجميع رجال مجلسها، فكل منهم تمنى لو أحبته وأصبحت زوجه. وقد كتب فيها ابن زيدون متغزلاً:

يا نازحًا، وضمير القلب مثواه … أنستك دنياك عبدًا أنت دنياه

ألهتك عنه فكاهات تلذ بها … فليس يجري ببال منك ذكراه

علّ الليالي تبقيني إلى أمد … الله يعلم والأيام معناه”.

ومع ذلك فقد كان لها نباهة وعقل حاذق وفصاحة وبلاغة حاضرة، وكانت ولادة في بني أمية بالمغرب كعلية في بني أمية بالمشرق. إلا أن هذه تزيد بمزية الحسن الفائق، ولقد كانت أديبة شاعرة، جزلة القول، حسنة الشعر، وكانت تخالط الشعراء، وتساجل الأدباء، وتعرف البرعاء، وعمرت طويلاً، ورغم ذلك فلم تتزوج قط. أولع بها أبو الوليد بن زيدون أشد ما يكون العشق، فكتبت إليه بعد طول تمنع تعده بالزيارة:

“ترقب إذا جن الظلام زيارتي … فإني رأيت الليل أكتم للسرِّ

وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح … وبالبدر لم يطلع، وبالنجم لم يسرِ”.

ووفت له بما وعدت، ولما أرادت الانصراف ودعها بهذه الأبيات:

ودع الصبر محب ودعك … ذائع من سره ما استودعك

يقرع السن على أن لم يكن … زاد في تلك الخطا إذا شيعك

يا أخا البدر سناء وسنًا … حفظ الله زمانًا أطلعك

إن يطل بعدك ليلي فلكم … بت أشكو قصر الليل معك”.

لقد كانت ولادة بنت المستكفي علامة بارزة في عصرها، وامرأة أديبة من الطراز الأول، وقد جعلت أعظم الرجال يقفون بين يديها مشدوهين متعجبين من براعتها وحسنها معًا.