خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أخبار أبي تمام مع الحسن بن رجاء

ID 179545206 © Saletomic | Dreamstime.com

يعد الحسن بن رجاء المتوفي في عام 244 هـ من الأئمة الذين يرون الحديث، وهو من العلماء النابهين في عصره، ومن الحفاظ الذين امتلكوا ذاكرة قوية، حتى قال عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: “انتهى الحفظ إلى أربعة من خرسان: أبو زرعة، والبخاري، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، والحسن بن شجاع البلخي”. أما أبو تمام فهو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، ولد في عام 188 هـ وتوفي سنة 231 هـ، وهو أمير البيان ومن ألمع الشعراء، له ذائقة قوية، رحل إلى مصر وعاش فيها، فلما تولى المعتصم الخلافة أرسل إليه يستقدمه، فلما جاء قدمه على جميع شعراء عصره، مدح المعتصم بقصيدته البديعة “السيف أصدق أنباء من الكتب” حينما فتح المعتصم مدينة عامورية واستخلصها من الروم.

تولى أبو تمام بريد الموصل ولم يدم سوى عامين ثم مات. كانت هناك بعض الأخبار بين الحسن بن رجاء وبين أبي تمام، وردت في كتاب “أخبار أبي تمام” للصولي، ونذكر منها هنا ما يلي:

مما ذكره محمد بن سعد أبو عبد الله الرقي، وكان يكتب للحسن بن رجاء، أنه قال: قدم أبو تمام مدحًا للحسن بن رجاء، فرأيت رجلاً علمه وعقله فوق شعره، واستنشده الحسن بن رجاء، ونحن في مجلس شربٍ فأنشده:

كُفِّى وَغَاكِ فَإنَّني لَكِ قَالِي … ليسَتْ هَوَادِي عَزْمَتيِ بِتَوَالِي

أَنَا ذُو عَرَفْتِ فإنْ عرَتْكِ جَهَالةٌ … فأَنَا المُقِيمُ قِيَامَةَ العُذَّالِ

فلما قال:

عادَتْ لَهُ أيامُهُ مُسْوَدَّة … حتّى تَوَهَّمَ أَنّهُنَّ لَيَالِي

فقال له الحسن: والله لا تسود عليك بعد اليوم، فلما قال:

لا تُنْكرِي عَطَلَ الْكَرِيِمِ مِنَ الغِنَى … فالسَّيْلُ حَرْبٌ لِلْمَكانِ العَاليِ

وتَنَظَّرِي خَبَبَ الرِّكَابِ يَنُصُّهَا … مُحْيِ القَرِيضِ إلىَ مُمِيتَ المَالِ

فقام الحسن بن رجاء وقال: والله لا أتممتها إلا وأنا قائم، فقام أبو تمامٍ لقيامه، وقال:

لمَّا بَلغْنَا سَاحَةَ الحسَنِ انْقَضَى … عنَّا تَمَلُّكُ دوْلَةِ الإمْحَالِ

بَسَطَ الرَّجَاءَ لَنَا بِرَغْمِ نَوَائِبٍ … كَثْرَتْ بِهنَّ مَصَارِعُ الآمَالِ

أَغْلَى عَذَارَى الشِّعْر، إِنَّ مُهُورَهَا … عِنْدَ الكِرَامِ إِذَا رَخُصْنَ غَوَالِي

تَرِدُ الظُّنُونَ بِهِ عَلَى تَصْدِيِقَها … وَيُحَكِّمُ الآمَالَ في الأمْوَالِ

فتعانقا وجلسا، فقال له الحسن: ما أحسن ما جليت هذه العروس! فقال: والله لو كانت من الحور العين لكان قيامك أوفى مهورها. قال محمد بن سعيد: فأقام شهرين فأخذ على يدي عشرة آلاف درهم، وأخذ غير ذلك مما لم أعلم به، على بخلٍ كان في الحسن بن رجاء.

ومما روي عن نصير الرومي مولى مبهوتة الهاشمي أنه قال: كنت مع الحسن بن رجاء، فقدم عليه أبو تمام فكان مقيماً عنده، وكان قد تقدم إلى حاجبه ألا يقف ببابه طالب حاجةٍ إلا أعلمه خبره، فدخل حاجبه يوماً يضحك، فقال: ما شأنك؟ فقال: بالباب رجل يستأذن ويزعم أنه أبو تمامٍ الطائي! قال: فقل له ما حاجتك؟ قال: يقول مدحت الأمير أعزه الله وجئت لأنشده، قال:

“أدخله، فدخل فحضرت المائدة، فأمره فأكل معه، ثم قال له: من أنت؟ قال: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، مدحت الأمير أعزه الله، قال: هات مدحك، فأنشده قصيدةً حسنةً، فقال: قد أحسنت، وقد أمرت لك بثلاثة آلاف درهمٍ، فشكر ودعا، وكان الحسن قد تقدم قبل دخوله إلى الجماعة ألا يقولوا له شيئًا، فقال له أبو تمام: نريد أن تجيز لنا هذا البيت، وعمل بيتًا، فلجلج، فقال له: ويحك، أما تستحي، ادعيت اسمي واسم أبي وكنيتي ونسبي، وأنا أبو تمام! فضحك الشيخ، وقال:

“لا تعجل علىَّ حتى أحدث الأمير أعزه الله قصتي: أنا رجل كانت لي حال فتغيرت، فأشار على صديق لي من أهل الأدب أن أقصد الأمير بمدح، فقلت له: لا أحسن، فقال أنا أعمل لك قصيدةً، فعمل هذه القصيدة ووهبها لي، وقال: لعلك تنال خيرًا، فقال له الحسن: قد نلت ما تريد، وقد أضعفت جائزتك. قال: فكان ينادمه ويتولعون به فيكنونه بأبي تمام”.

وقال محمد بن يزيد المبرد: “ما سمعت الحسن بن رجاء ذكر قط أبا تمام إلا قال: ذاك أبو التمام، وما رأيت أعلم بكل شيءٍ منه”.