خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أخبرني عن أجبن وأحيل وأشجع مَنْ لقِيتَ؟

ID 122765698 © Free_lancer | Dreamstime.com

وردت قصة طريفة تستحق التوقف عندها، تدور فصولها بين عمر بن معد يكرب الزبيدي وبين الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعندما دخل عمر بن معد يكرب مجلس الخليفة عمر رضي الله عنه، سأله قائلاً: أخبرني عن أجبن من لقيت وأحيل من لقيت وأشجع من لقيت. فقال عمر بن معد يكرب: نعم يا أمير المؤمنين. ثم إنه ذكر القصة التالية:

خرجت مرة أريد الغارة، فبينما أنا سائر إذا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا رجل جالس كأعظم ما يكون من الرجال خلقًا، فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك. فقال: ومن أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب الزبيدي، فشهق شهقة فمات، فهذا يا أمير المؤمنين أجبن من رأيت. ثم يستكمل حديثه ويقول:

وخرجت مرة حتى انتهيت إلى حي فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجته، فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك. فقال: ومن أنت؟ فأعلمته بي، فقال: يا أبا ثور ما أنصفتني أنت على ظهر فرسك وأنا على الأرض، فأعطني عهدًا أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي. فأعطيته عهدًا فخرج من الموضع الذي كان فيه واحتبى بحمائل سيفه، وجلس. فقلت: ما هذا؟ فقال: ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك فإن نكثت عهدك فأنت أعلم بناكث العهد. فتركته ومضيت، فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت.

ثم يستكمل عمر بن معد يكرب حديثه فيقول: “وخرجت مرة حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه الطريق فلم أر أحدًا، فأجريت فرسي يمينًا وشمالاً وإذا أنا بفارس، فلما دنا مني، فإذا هو غلام حسن نبت عذاره من أجمل من رأيت من الفتيان، وأحسنهم. وإذا هو قد أقبل من نحو اليمامة، فلما قرب مني سلم عليّ ورددت عليه السلام وقلت: من الفتى؟ قال: الحرث بن سعد فارس الشهباء. فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك! فقال: الويل لك، فمَنْ أنت؟ قلت: عمرو بن معد يكرب الزبيدي. فقال: الذليل الحقير، والله ما يمنعني من قاتلك إلا استصغارك. فتصاغرت نفسي، يا أمير المؤمنين، وعظم عندي ما استقبلني به، فقلت له: دع هذا وخذ حذرك فإني قتلك، والله لا ينصرف إلا أحدنا. فقال: اذهب، ثكلتك أمك، فأنا من أهل بيت ما أثكلنا فارس قط. فقلت: هو الذي تسمعه. فقال: اختر لنفسك فإما أن تطرد لي، وإما أن أطرد لك. فاغتنمتها منه فقلت له: أطرد لي. فأطرد وحملت عليه فظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فإذا هو صار حزامًا لفرسه ثم عطف عليّ فقنع بالقناة رأسي وقال: يا عمرو خذها إليك واحدةً، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك.

قال: فتصاغرت نفسي عندي، وكان الموت، يا أمير المؤمنين أحب إليّ مما رأيت، فقلت له: والله لا ينصرف إلا أحدنا. فعرض علي مقالته الأولى فقلت له: أطرد لي، فأطرد فظننت أني تمكنت منه فاتبعته حتى ظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه. فإذا هو صار لببًا لفرسه، ثم عطف عليّ فقنع بالقناة رأسي وقال: خذها إليك يا عمرو ثانية. فتصاغرت عليّ نفسي، وقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا فاطرد لي، فاطرد حتى ظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فوثب عن فرسه، فإذا هو على الأرض فأخطأته، ولكنه استوى على فرسه واتبعني حتى قنع بالقناة رأسي! وقال: خذها إليك يا عمرو ثالثة، ولولا كراهتي لقتل مثلك لقتلتك.

فقلت: اقتلني أحب إلي ولا تسمع فرسان العرب بهذا، وهبته هيبة شديدة، وقلت له: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قلت: أكون صاحبًا لك. فقال: لست من أصحابي. وبعد طوال إلحاح أخذني معه صاحبًا، فكان هذا أشجع من رأيت.

وتدل تلك القصة على اختلاف الناس في الأخلاق والصفات، فليس كلهم على شاكلة واحة، فهناك الجبان، وهناك الشجاع، وهناك المحتال الفطن.