خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أخطاء الأمم السابقة وضرورة التعلم منها

ID 178993207 © Leo Lintang | Dreamstime.com

يتحدث القرآن الكريم عن أقوام شتى عاشوا وماتوا، ويذكر لنا بعض أفعالهم الحسنة والمشينة، لنأخذ العبرة والمثل، ونستحضر صورة التاريخ فنعي الدرس جيدًا. ونقف هنا أمام بعض تلك الأفعال المشينة التي تجعل العقل يحتار في فهمها، ويسأل: لماذا كانوا يفعلون ذلك؟

ومثال تلك الأفعال ما نجده في قوله تعالى: “حرقوه وانصروا آلهتكم” ومثله “أن امشوا واصبروا على آلهتكم” ومن جنسه “أنا أحيي وأميت”. ومثله “أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي”. فافتخر بساقية لا هو أجراها ولا يدري منتهاها ولا مبتدأها، ونسي أمثالها مما ليس تحت حكمه، وليس في الحمق أعظم من ادعاء فرعون أنه الإله.

وموقف آخر يوضح تلك الأفعال وهو موقف إبليس عند فرعون، وذلك إذ ضرب الحكماء له مثلاً فقالوا: أُدخل إبليس على فرعون فقال: من أنت؟ قال: إبليس، قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أنظر إليك فأعجب من جنونك، قال: وكيف؟ قال: أنا عاديت مخلوقاً مثلي، وامتنعت من السجود له، فطردت ولعنت، وأنت تدعي أنك أنت الإله! هذا والله الجنون البارد.

وعلى ذات الوتيرة فإن اتخاذ الأصنام يعد من الأمور المشينة والتي بها تغفيل كبير للناس، يقول ابن الجوزي: “ومن أعجب التغفيل اتخاذ الأصنام آلهة، فالإله ينبغي أن يفعل لا أن يفعل. ومن التغفيل بنيان نمرود الصرح ثم رميه بنشابه ليقتل بزعمه إله السماء، أتراه لو كان خصمه في مكان فرأى قوسًا إلى جهته، أما كان يمكنه أن ينزوي عنها!”.

وإذا ما نظر في سورة يوسف وجدنا خليطًا من تلك الأفعال الغريبة والمنكرة، يقول ابن الجوزي عن ذلك: “ومن أعظم التغفيل ما جرى لإخوة يوسف في قولهم “أكله الذئب” ولم يشقوا قميصه، وقصتهم مع يوسف في قوله إن الصاع يخبرني بكذا وكذا. ومن التغفيل ادعاء هاروت وماروت الاستعصام عن الوقوع في الذنب ومقاومة الأقدار فلما نزلا من السماء على تلك النية نزلا”.

وعلى هذا المنوال من الأفعال المنكرة فعل بنو إسرائيل إذ قالوا: “إن عيسى إله أو ابن إله، ثم يقرون أن اليهود صلبوه، فادعاؤهم الإلهية في بشر لم يكن فكان ولا يبقى إلا بأكل الطعام! والإله من قامت به الأشياء لا من قام بها، فظنهم أنه ابن الإله والبنوة تقتضي البعضية والمثلية وكلاهما مستحيل على الإله، وقولهم إنه قتل وصلب فيقرون عليه بالعجز عن الدفع عن نفسه وكل هذه الأشياء تغفيل قبيح”.

ومن باب الأفعال المشينة ما قام به بعض المسلمين أو غيرهم من تخطئة الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، يقول ابن الجوزي: “ومن أعجب التغفيل: أن الرافضة يعلمون إقرار عليّ على بيعة أبي بكر وعمر، واستيلاده الحنفية من سبي أبي بكر، وتزويجه أم كلثوم ابنته من عمر، وكل ذلك دليل على رضاه ببيعتهما ثم فيهم من يكفرهما وفيهم من يسبهما، يطلبون بذلك على زعمهم حب عليّ وموافقته وقد تركوها وراء ظهورهم”. أي أنهم فعلوا شيئًا مخالفًا لأصل الأمر وهم يقرون به، ثم يفعلون عكس ذلك يعتقدون، فكان ذلك دليلاً على أنه فعل مشين ومنكر.

ويعتبر الإمام أحمد بن حنبل أن كل مَنْ خالف الأمور الظاهرة والمتفق عليها يعد فعله مشينًا ومنكرًا؛ لأن ذلك إنما يعد مخالفًا لأصل ظاهر، لا يحتاج إلى إبانة ولا توضيح، وهكذا كانت أفعال الأمم السابقة، والذين خالفوا الأصل وتشبثوا بأمور هامشية لا أصل لها، فتركوا عبادة الله الأحد وتمسكوا بعبادة شركاء كثر، وهناك من الأقوام ما ذكر لهم نبيهم أنه بشر وعبد لله تعالى، ثم إنهم لم يرضوا ذلك فقال بل أنت إله. إن مثل ذلك الفعل وغيره يعد من الأمور المشينة والمنكرة التي لا وجه لها سوى المخالفة والعناد.