خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أسباب وأحداث سقطت على إثرها الدولة العباسية

ID 105803438 © Fabio Lamanna | Dreamstime.com

إن الناظر والمدقق إلى بدايات الدولة العباسية وما كانت عليه من قوة ومنعة، لا يمكنه قط تصور النهايات المخزية التي حلت بالدولة العباسية في آخر أيامها، فقد تكالبت عليها الأمم والجماعات والعناصر الدخيلة، وبعض من سولت لهم أنفسهم الطمع في الزعامة والملك، ثم كانت ثلاثة الأسافي باجتياح التتار وجحافلهم للأراضي الإسلامية الواقعة تحت قبضة الدولة العباسية، إذ بدؤوا يقطعون أوصال الدولة العباسية قطعة قطعةً، حتى وصلوا إلى العاصمة بغداد فقاموا بمحاصرتها واجتياحها وقتلوا الخليفة، ولم يتركوا حيًا وجدوه في طريقهم إلا استباحوا دمه، ثم اتجهوا إلى الشام وما وراءها، ولو لا أن الله سلم وقيض للإسلام في تلك اللحظة القائد العسكري المملوكي قطز وجنوده، لانتهت بلاد الإسلام وعشش التتار فيها.

كان وراء سقوط الدولة العباسية مجموعة من الأسباب التي ينبغي النظر فيها بتمعن، كي نأخذ الدرس ونعتبر بأحداث التاريخ الذي يتكرر أحيانًا أو يتشابه على الأقل، ونذكر أهم تلك الأسباب كما يلي:

أولاً: تزايد نفوذ العناصر غير العربية في الدولة وتحكمهم فيها بشكل كبير، لقد دخلت عناصر كثيرة غير عربية الأصل إلى جسد الخلافة العباسية، وهذا ليس عيبًا في ذاته، فالجميع مسلمون، ولكن كثرة العناصر هنا جعل النفوذ والمناصب توزع على الجميع، وخاصة أن الدولة قامت في البداية على العنصر الفارسي، والذي كانت له الحظوة في تقلد المناصب العليا، حتى أصبح لهم شأن منافسة الخليفة في سلطته، ويحاولون نقل مركز الخلافة إلى خرسان، وقد كان هذا حلمهم الدائم. وبعد مدة جاء العنصر التركي وتحكم في مصير الدولة لحظة ضعفها، وأخذوا يولون ويعزلون ويتحكمون، فضاعت الدولة بين شقي الرحى.

ثانيًا: تعدد ولايات العهد لأكثر من واحد، مما خلق الصراعات من أجل الاستئثار بالخلافة، وقد حدث هذا زمن هارون الرشيد الذي يعد آخر الخلفاء الأقوياء، فقد ولى العهد للأمين والمأمون وأعطى كلاً منهما سلطاته ومنطقة يسود فيها، وجعل الخليفة يحكم نصف الأراضي في حين لأخيه النصف الآخر، مما شكل خطرًا انتهى بحرب طاحنة.

ثالثًا: اتساع رقعة الدولة العباسية، فقد ورث العباسيون من الأمويين دولة مترامية الأطراف، امتدت من حدود الصين، إلى المحيط الأطلسي، ولما ضعفت الدولة وأصيب الخلفاء بالخلود للراحة والاستكانة والحرص على الترف والبذج والملذات، كان من العسير عليهم أن يحكموا القبضة على تلك المساحات الكبيرة وهم مشغولون عنها بأنفسهم.

رابعًا: كثرة النزاعات والخلافات حول أمر الولاية والخلافة في المسلمين، فقد كان هناك شق دائم الاتساع بين الدولة العباسية والخلافة الأموية في الأندلس، وبين العباسيين والحكم العبيدي الفاطمي في شمال إفريقيا، وكل ذلك أجج فتيل الصراع وأضعف من قوة الدولة.

خامسًا: انفصال بعض الولايات واستقلال حكامها بها، إذ كان من نتائج ضعف الخلفاء واتساع رقعة الدولة أن استقل عدد من الولايات، مثل: دولة السلاجقة في بلاد فارس والعراق، والدولة الأموية في الأندلس، ثم الدولة الإخشيدية في مصر، والدلة البويهية في فارس، ودولة الأدارسة والفاطميين في شمال إفريقيا… ومع مرور الوقت لم يتبق من الخلافة إلا الاسم الظاهري فقط، في حين أن كل ولاية تحيا بمنأى عن غيرها تمامًا، مما صعب على التئام الشمل وتوحيد القوى ضد الأعداء.

سادسًا: ظهور الزندقة والفرق المتصارعة مثل المعتزلة والرواندية والخرمية، مما أدى لانقسام الأمة وتفتت القوى، في الوقت الذي انصرف فيه الخلفاء إلى الملذات والشهوات وتركوا السلطة في أيدي أتباعهم ممن كانت لهم مآرب غير سوية أودت بالخلافة فيما بعد.

سابعًا: خلو خزينة الدولة من النفقات اللازمة لإدارة شؤونها بشكل جيد، نتيجة امتناع بعض الولاة عن تقديم الخراج واعتباره خاصًا بالولاية التي يحكمونها، ليزيدوها منعة وقوة، ولم يكن يرسلون إلا الفتات، ودخول الدولة في صراعات ونزاعات مصطنعة بهدف إضعافها.

سقطت الدولة العباسية بعد ذلك نتيجة اجتياح التتار بقيادة هولاكو أرض الخلافة في بغداد، وقاموا بقتل الخليفة المستعصم بالله في عام 656 م.