خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أستجير بعدلك من جور مروان بن الحكم

ID 107014780 © Hansmusa | Dreamstime.com

كان الخليفة معاوية بن أبي سفيان جالسًا بين أهل مشورته ذات يوم في مكان مفتوح من جوانبه الأربعة، وكان الجو حارًا لا نسيم فيه، وإذا به ينظر بعيدًا فيجد رجلاً يأتي ساعيًا نحوه، فلما رآه قال لمن معه إن كان يرجو شيئًا أعطيناه إياه، فقالوا له لعله يقصدك يا أمير المؤمنين، فأمر خادمه بأن يخرج إليه فإن كان يقصد أمير المؤمنين أدخله عليه ولم يمنعه. وبالفعل دخل الرجل على معاوية بن أبي سفيان وهو في حالة مزرية وقال له: “أستجير بعدلك من جور عاملك مرون بن الحكم”. فما قصة هذا الرجل، وما الذي دعاه لهذا الأمر.

سأله الخليفة عن قومه فقال له: من تميم، فقال له: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقال له: جئتك مشتكيًا من مروان بن الحكم عاملك. وأنشد شعرًا يطلب منه الإنصاف والعدل، فلما رأى أن الرجل مثقل بالهموم، قال له: “مهلاً يا أخا العرب! اذكر قصتك وأبِن لي عن أمرك، فقال: يا أمير المؤمنين، كانت لي زوجة وكنت لها محبًا وبها كلفًا، وكنت بها قرير العين طيب النفس، وكانت لي جذعة من الإبل كنت أستعين بها على قوام حالي وكفاية أودي، فأصابتنا سنة أذهبت الخف والحافر، فبقيت لا أملك شيئًا، فلما قل ما بيدي وذهب ما لي وفسد حالي بقيت مهاناً ثقيلاً على الذي يألفني، وأبعدني من كان يشتهي قربي وأزور من لا يرغب في زيارتي، فلما علم أبوها ما بي من سوء الحال وشر المال أخذها مني وجحدني وطردني وأغلظ علي، فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم راجيًا لنصرتي، فلما أحضر أباها وِسأله عن حالي قال: ما أعرفه قط. فقلت: أصلح الله الأمير إن رأى أن يحضرها ويسألها عن قول أبيها ففعل، وبعث خلفها. فلما حضرت بين يديه وقعت منه موقع الإعجاب، فصار لي خصمًا وعلي منكرًا، وأظهر لي الغضب وبعث بي إلى السجن، فبقيت كأنما خررت من السماء، أو استهوت بي الريح في مكان سحيق. ثم قال لأبيها: هل لك أن تزوجنيها على ألف دينار وعشرة آلاف درهم، وأنا ضامن خلاصها من هذا الأعرابي؟ فرغب أبوها في البذل وأجابه إلى ذلك. فلما كان من الغد بعث إلي وأحضرني ونظر إلي كالأسد الغضبان، وقال: طلق سعاد! فقلت: لا، فسلط علي جماعة من غلمانه فأخذوا يعذبوني بأنواع العذاب فلم أجد لي بدًا من طلاقها ففعلت. فأعادني إلى السجن، فمكثت فيه إلى أن انقضت عدتها فتزوجها وأطلقني، وقد أتيتك راجيًا وبك مستجيرًا وإليك ملتجئًا.

فلما سمع معاوية قصته قال: تعدى ابن الحكم في حدود الدين وظلم واجترأ على حرم المسلمين. ثم قال: لقد أتيتني يا أعرابي بحديث لم أسمع بمثله قط. ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب إلى مروان ابن الحكم كتابًا يقول فيه: أنه قد بلغني أنك تعديت على رعيتك في حدود الدين، وينبغي لمن كان واليًا أن يكف بصره عن شهواته ويزجر نفسه عن لذاته. ولما قرأ مرون بن الحكم ما الرسالة وأبيات الشعر التي كتبها إليه الخليفة يهدده فيها بالويل إذا لم يطلق المرأة ويرسلها إليه، ارتعد وأسرع إلى ما طلب الخليفة.

وقد وقعت المرأة موقعًا حسنًا من نفس الخليفة فقال: يا أعرابي! هل لك عنها من سلوة وأعوضك عنها ثلاث جوار أبكار، كأنهن الأقمار، مع كل جارية ألف دينار، وأقسم لك في بيت المال كل سنة ما يكفيك وما يغنيك. فلما سمع الأعرابي كلام معاوية شهق شهقة ظن معاوية أنه مات بها فقال له معاوية: ما بك؟ فقال الأعرابي: استجرت بعدلك من جور بن الحكم، فبمن أستجير من جورك. ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو أعطيتني الخلافة ما أخذتها دون سعاد

فقال له معاوية: إنك مقر بأنك طلقتها، ومروان مقر بأنه طلقها، ونحن نخيرها، فإن اختارت سواك تزوجناها، وإن اختارتك حولناها إليك. قال: افعل. فقال: ما تقولين يا سعدى، أينا أحب إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وقصوره وسلطانه وأمواله وما أبصرته عنده، أو مروان بن الحكم في تعسفه وجوره، أو هذا الأعرابي في جوعه وفقره، فقالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان، ولا لغدرات الأيام، وإن له صحبة قديمة لا تسنى، ومحبة لا تبلى، وأنا أحق من يصبر معه في الضراء كما تنعمت معه في السراء. فتعجب معاوية من عقلها ومودتها له، وموافاتها، فدفع لها عشرة آلاف درهم، ودفع مثلها للأعرابي وأخذها وانصرف.