خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أعاده الخليفة من اليمن وزوَّجَهُ بمَن يحب

ID 69221123 © Oleksiy Aleksenko | Dreamstime.com

هذا موقف مؤثر قام به الخليفة هارون الرشيد، فقد أعاد رجلاً من اليمن وقام بجمع شمله بمَن يحب ويهوى وقام بتزويجهما، فكيف تم ذلك؟ لذلك قصة مؤثرة نتناول فصولها معًا. إذ يروى أن الرشيد خرج للحجّ في سنة إحدى عشرة من خلافته، فلمّا نزل بالكوفة، بعد عودته من الحج، دعا إسماعيل بن صبيح إليه، وقال: “إنّي أردت الليلة أن أطوف في محال الكوفة وقبائلها فتأهبّ لذلك، فقال له: نعم.

يقول إسماعيل بن صبيح: “فلمّا مضى ثلث الليل قام وقمت معه، وركب حمارًا وركبت أنا آخر، ومعي خادمٌ ومعه خادمٌ من خاصّة خدمه. فلم نزل نطوف المحال والقبائل حتى انتهينا إلى النّخع ” وهي منطقة بالكوفة”، فسمعنا كلامًا. فقال الرّشيد لأحد الخادمين: أدنُ من الباب وتعرّف ما هذا الكلام؟ فتطلّع من موضعٍ في الباب فرأى نسوةً يغزلن حول مصباحٍ وجاريةٍ منهنّ تنشد شعرًا وتردّد أبياته وتتبّع كلّ بيتٍ برنةٍ وأنّةٍ “أي نغمة حزينة”، وتبدي زفرةً، وتفيض عبرةً، والنّسوان اللواتي معها يبكين لبكائها، والمعنى أن المرأة تقول الشعر بوجع وتتألم لذلك. فحفظ الخادم من شعرها بعض الأبيات، وهي:

هل أرى وجه حبيبٍ شفني … بعد فقدانيه، أفراط الجزع؛

قد برى شوقي إليه أعظمي … وبلى قلبي هواه وفزع.

ليت دهراً مرّ، والقلب به … جذلٌ، والعيش حلوٌ قد رجع؛

وعفت آثاره منه فيا … ليت شعري، ما به الدّهر صنع؟

قد تمسّكت على وجدي به … بجميل الصّبر، لو كان نفع.

فقال الرشيد للخادمين: أعرفا الموضع إلى غد. ثم عاد الجميع إلى البصرة، فلمّا طلع الفجر وفرغ من صلاته وتسبيحه، قال للخادمين: أمضيا إلى الدّار فإن كان فيها رجلٌ من وجوه الحيّ فجيئا به حتّى أسأله عمّا أريده. فسار الخادمان إلى الدّار فلم يجدا فيها رجلاً، فدخلا إلى مسجد الحيّ فقالا لأهله: أمير المؤمنين يقرأ عليكم السّلام ويقول لكم: أحببت أن يجيئني منكم أربعةً أسألهم عن أمرٍ. قالوا: سمعًا وطاعةً. وقاموا معهما فدخلوا على الرّشيد، فقرّبهم وأدناهم، وقال لهم: طفت البارحة في بلدكم تفقّدًا لأحوالكم، فسمعت في دارٍ من دياركم امرأةً تنشد شعرًا وتبكي. وقد خفت أن تكون مغيبةً، وأنّ نزاع النّفس أهون من نزاع الشّوق، وقطع الأوصال أهون من قطع الوصال، وقد أحببت أن أعرف خبرها منكم.

فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذه البارعة بنت عوف بن سهم، كان أبوها قد زوّجها ابن عمٍّ لها يقال له سليمان بن همام على عشرة آلاف درهمٍ، فهلك أبواهما من قبل أن يجتمعا، فاكتتب زوجها مع عاملك إلى اليمن لقلّة ذات يده، وخرج منذ خمس سنين، فحزنت عليه، وطال شوقها إليه، فهي تنشد الأشعار فيه وتستريح إلى ذكره. فأمر الرّشيد من ساعته أن يكتب إلى عامله باليمن في حمل سليمان بن همام على البريد إلى حضرته إلى بغداد.

فما مضت أيّامٌ بعد وصول الرّشيد حتّى دخل عليه إسماعيل بن صبيح، فقال: يا أمير المؤمنين قد وصل النّخعي الذي أمرت بحمله إليك. فأمر بإدخاله عليه، فنظر إلى رجلٍ معتدل القامة، ظاهر الوسامة، فصيح اللسان، حسن البيان، فقال: أنت سليمان بن همام؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. قال له: أقصص عليّ خبرك! فقصّ عليه الخبر فوجده مطابقًا لمّا أخبر به الأربعة من قومه، فأمر له بعشرين ألف درهمٍ، فأخذ ذلك من يومه ورحل إلى الكوفة فدخل بأهله وكان الرّشيد يتعهده بالبر والمودة والإحسان.

وهكذا استطاع سليمان بن همام أن يجتمع بأهله، وأن تحل مشكلته من حيث لا يدري، ولكن الله قدر له الخليفة هارون الرشيد الذي كان يتفقد رعيته ليلاً فوجد ذلك أمامه، فما كان منه إلا أن استقصى الخبر، وجمع شمل المحبين من جديد.