خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أقوال الصحابة والسلف في شرف العلم ومنزلة أهله

تواردت الأقوال الكثيرة الخاصة بفضل العلم ومكانة أهله عند الصحابة الكرام ومن بعدهم السلف الصالح، وهي أقوال تشي بفضل العلم وأنه شرف عظيم يجب الحرص على تحصيله، والعمل على تناقله ونشره وإفادة الناس منه. فالله يرفع بالعلم أقوامًا ويضع آخرين، ويسعى إلى طلبه كل الناس، ولكنّ الله يجتبي برحمته من يشاء لحمله.

يقول الإمام عليّ رضي الله عنه: “كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًّا أن يتبرأ منه من هو فيه”. وهذا الواقع حادث بالفعل، فنجد مَن يجهل كل شيء ولكنه ينسب نفسه إلى العلم وأهله استحبابًا لمكانة العلم، ويذم في الوقت ذاته الجهل وأهله وإن كان متحققًا فيه أملاً في إبعاد تلك التهمة عنه، ودل ذلك على مكانة العلم وأهله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “تذاكر العلم بعض ليلة أحب إليّ من إحيائها”. فجعل العلم وتدارسه أفضل من قيام ليلة نظرًا لمكانة العلم وما يضيفه للإنسان بعد ذلك، فربما استطاع إحياء ليالٍ كثيرة، ولكنّ فرصة تحصل العلم لا تتأتى كثيرًا. ولذلك قال الزهري رحمه الله عن العلم وفضله: “ما عُبد الله بمثل العلم”، لأن العلم يجعل عبادة الله على الوجه الصحيح والمرغوب، فتنتفي عن المرء الجهالة الموصلة إلى ترك مبطلات العمل، وتلمس الأمور التي يقبل بها عند الله تعالى. وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: “ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحّت النية”. ويضيف هذا القول إضافةً إلى مكانة العلم وأهله، سلامة النية باعتبارها المنوطة بتقبل العمل، وكونه خالصًا لله تعالى فلا يكون فيه رياء ولا سمعة ولا كِبر.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: “طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة”. فجعل الإمام الشافعي مكانة العلم بعد الفريضة مباشرة، ودلّ ذلك على أهميته وفضله وشرف أهله، إضافة إلى السعي إلى تحصيله والدافعية التي يجب أن تكون موجودة عند طالب العلم، باعتباره في طاعة الله سبحانه وتعالى.

وقد جمع ابن القيم رحمه الله تعالى بين أهمية العلم وشرفه، وبين تحصيله وعاقبة ذلك في الدنيا والآخرة، فقال: “أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان، ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: “وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث”. (سورة الروم: 56)، وقوله: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات”. (سورة المجادلة: 11)، وهؤلاء خلاصة الوجود ولُبّه والمؤهلون للمراتب العالية. ولكن أكثر الناس غالطون “أي: واقعون في الخطأ”، في حقيقة مسمى العلم والإيمان اللذين بهما السعادة والرفعة وفي حقيقتهما، حتى إن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي تنال به السعادة وليس كذلك بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجي ولا علم يرفع، بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا إليهما الأمة وكان عليهما هو وأصحابه من بعده وتابعوهم على مناهجهم وآثارهم”.

والقول السابق لابن القيم رحمه الله تعالى جامع في أصله لعدة أمور، ألا وهي: أولاً: فضل العلم وشرف مكانة وفضل أهله. ثانيًا: أن العلم لا ينفع بذاته دون إيمان يكون راسخًا في القلب فيجتمع العلم والإيمان معًا في قلب طالب العلم. وثالثًا: أن الناس منقسمون في مسألة العلم واجتماعه مع الإيمان إلى عدة طوائف، وكل طائفة تقع في الخطأ وتدعي لنفسها أنها على حق بما معها من علم وإيمان، وأن الطريق السليم يقتضي العودة إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ورد العلم إليه والاقتداء بما دعا أمته إليه.