خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حيلة ألب أرسلان التي مكنته من هزيمة ملك الروم

اتصف ألب أرسلان بدهاء وذكاء شديدين، ذلك الدهاء العسكري الذي يلتمس القائد ثغرة صغيرة ينفذ منها إلى مرمى العدو، فتكون فاتحة نصره من تلك الثغرة، وهذا ما حدث مع الملك ألب أرسلان، حينما تقابل مع جيش الروم، ولم تكن القوتان متساويتين، ولذا فقد كان التفكير في أسلوب قتالي جديد هو الحافز الأكثر تأثيرًا، فجنده الأقل عددًا وعدة، ولذا أخذ يفكر في طريقة مكنته من تحقيق النصر، فكيف كان ذلك؟ لذلك قصة نرويها معًا، فهيا بنا. ومن خلال حيلة ذكية سريعة استطاع الملك ألب أرسلان هزيمة ملك الروم، فقمعه وقتل رجاله وأباد جمعه.

بداية القصة

كانت الروم قد جمعت جيوشًا جرارة كاد لم يجمع لغيرهم مثلها، ويقال إن عددهم وصل 600 ألف مقاتل، وقد اتخذوا من السلاح والمجانيق، والآلات المعدة للحروب، وفتح الحصون بما لا يحصى، وكانوا قد قسموا بلاد المسلمين الشام والعراق، ومصر، وخراسان، وديار بكر، ولم يشكوا أن الدولة قد دارت لهم، وأن نجوم السعد قد بات في صفهم، ثم استقبلوا بلاد المسلمين فتواترت أخبارهم إلى بلاد المسلمين، واضطربت لها ممالك أهل الإسلام فاحتشد للقائهم الملك ألب أرسلان.

كانت الحيلة بسيطة لكنها كانت محكمة ودقيقة، فقد قام ألب أرسلان بجمع جيشه بمدينة أصبهان، وأكمل استعداداته بما قدر عليه، وسار الجيشان معًا وبدآ يتدنيان من بعضهما، وقد عادت طلائع المسلمين لتقول لألب أرسلان: “غدًا يتراءى الجمعان، فبات المسلمون ليلة الجمعة، والروم في عدد لا يحصيهم إلا الله الذي خلقهم، وما المسلمون فيهم إلا أكلة جائع، فبقي المسلمون وجلين لما أصابهم، فلما أصبحوا صبيحة يوم الجمعة نظر بعضهم إلى بعض، فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدو، فأمر ألب أرسلان أن يعد المسلمين، فبلغوا اثني عشر ألفًا فكانوا كالشامة البيضاء في الثور الأسود”.

ألب أرسلان يستخلص أصوب الآراء

وحيال هذا الموقف فقد جمع ألب أرسلان ذوي الرأي من أهل الحرب والتدبير والشفقة على المسلمين، والنظر في العواقب، واستشارهم في استخلاص أصوب الرأي، فتشاوروا برهة، ثم اجتمع رأيهم على اللقاء، فودع كل منهم ذويه، ثم: “تحاللوا وناصحوا الإسلام وأهله، وتأهبوا أهبة اللقاء، وقالوا لألب أرسلان: بسم الله نحمل عليهم، فقال ألب أرسلان: يا معشر أهل الإسلام أمهلوا، فإن هذا يوم الجمعة، والمسلمون يخطبون المنابر، ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها، فإذا زالت الشمس، وعلمنا أن المسلمين قد صلوا، ودعوا الله أن ينصر دينه حملنا عليهم إذ ذاك”.

 وكان ألب أرسلان قد عرف خيمة ملك الروم وعلامته وزيه وزينته وفرسه، ثم قال لرجاله: لا يتخلف أحد منكم أن يفعل كفعلي، ويتبع أثري، ويضرب بسيفه، ويرمي سهمه حيث أضرب بسيفي، وأرمي بسهمي، ثم حمل برجاله حملة رجل واحد على خيمة ملك الروم، فقتلوا من كان دونها، ووصلوا إلى الملك.

ثم ماذا بعد؟

قتلوا كل من كان دون الملك، وجعلوا ينادون بلسان الروم: قُتل الملك، قُتل الملك، فسمعت الروم أن ملكهم قد قُتل فتبددوا، وتمزقوا كل ممزق، وعَمِل السيف فيهم أيامًا، وأخذ المسلمون أموالهم، وغنائمهم، وأتوا بالملك أسيرًا بين يدي ألب أرسلان والحبل في عنقه، فقال له ألب أرسلان: “ماذا كنت تصنع بي لو أسرتني”. قال: “وهل تشك أنني كنت أقتلك”، فقال له ألب أرسلان: “أنت أقل في عيني من أن أقتلك اذهبوا به، فبيعوه لمن يزيد فيه”.

فكان ملك الروم يقاد والحبل في عنقه، وينادي عليه: “مَن يشتري ملك الروم، وما زالوا كذلك يطوفون به على الخيام، ومنازل المسلمين، وينادون عليه بالدراهم، فلم يدفع فيه أحد شيئًا، حتى جاء رجل وأراد مبادلته بكلبه، فأخذهما الجنود وذهبوا إلى الملك ألب أرسلان، وأبلغه الخبر فقال: قد أنصفك إن الكلب خير منه”. ثم أمر ألب أرسلان بعد ذلك بإطلاقه فذهب إل القسطنطينية، فعزلته الروم. وهكذا تفعل الحيلة في الحروب، وتتغير أحوال الملوك بسبب بعض الأحداث الحربية.

المرجع:

المستطرف في كل فن مستظرف، الأبشيهي.