خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

نفي احمد شوقي : الأسباب والإطار التاريخي

نفي احمد شوقي

نفي احمد شوقي مثّل علامة فارقة في حياته ليس الخاصة فحسب، بل في حياته الشعرية، فيما شكل المنفى قديمًا وحديثًا واحدًا من أخطر المشكلات التي واجهت الشعراء، فهو الحالة التي يتمنى كل شاعر مرهف ألا يصل إليها بحال من الأحوال. لأن المنفى يمثل رحلة من العذاب والجحيم، فالشاعر فيه يتلظى بنار الشوق إلى بلاده، ويحكم عليه أن يوجد في بيئة غير بيئته الثقافية والاجتماعية، كما يفرض على أن يحيا غريبًا يعايش وحدته ويحصي دموعه وأناته. لقد كان المنفى دائمًا مصدر تعاسة كبيرة على الأدباء والشعراء والمفكرين، وخاصة في العصر الحديث، لأنه يمثل مصدر إذلال لهم وتعذيب من نوع آخر، فهو يشبه السجن وإن كان بطرق مغايرة.

نفي احمد شوقي

أكثر الأشياء التي تعرض الشاعر للنفي والإقصاء، هو معارضته للسلطة، ومناهضته إياها، فتحول أن تهدده فلا يستجيب، فتأخذ في سجنه، لكنها ترى أن سجنه يمثل ورقة ضغط عليها من الشعب أو من المنظمات الحقوقية أو من المثقفين، لذا تتلاشى كل ذلك بأن تنفيه سرًّا فلا يعلم الناس عنه شيئًا إلا أنه نُفي إلى منطقة كذا، وهكذا يتحول الشاعر إلى منفي بين لحظة وضحاها.

ويعد أمير الشعراء أحمد شوقي أحد الشعراء الذي عانوا مرارة النفي والحنين إلى الوطن، ولد أحمد شوقي في القاهرة عام 1868 م، وظهر نبوغه العلمي مبكرًا، وكانت له قريبةجدته لأمهتعمل في قصر الخديوي وصيفة، فاهتمت به وأخذته معها إلى القصر لينشأ فيه، فوجد من الرعاية ما لم يجده غيره. وبعد أن شب بعثه الخديوي إلى بعثة في فرنسا ليستكمل دراسته هناك.

بدأت محنة نفي شوقي فور عودته من فرنسا، إذ وجدا البيئة المصرية تمور بالأحداث والصراعات، وخاصة تدخل الإنجليز في حكم مصر بشكل مجحف، فأخذ شوقي يدافع عن بلاده، فمدح الخديوي عباس حلمي، والذي كان مهددًا بالخلع من الإنجليز، وفي الوقت ذاته أخذ يهجو الإنجليز ويتعرض لهم في شعره، الأمر الذي جعل من نفي احمد شوقي أمرًا قريبًا متوقعًا.

مما ساهم في تأجيج غضب الإنجليز المحتلين على شوقي، وقرروا في عام 1915 م نفيه إلى إسبانيا، وهنا بدأت معاناة شوقي وإحساسه بالحسرة والحنين إلى وطنه، لكنه في إسبانيا رغم ذلك تعرف إلى الآداب الأوروبية، واطلع على الطبيعة الأندلسية والحضارة الزاهرة هناك، وبدأت لغته تكتسب رقة وعذوبة، وأخذ في تعلم أكثر من لغة، وكان دائم الاطلاع على الأحداث في بلده مصر، فأصبح مشاركًا لزملاء الشعراء داخل الوطن، ومهتمًا بالحركة الشعبية القائمة على أرض الواقع، مشجعًا لها وفعالاً معها، وأصبح قريبًا من قلوب الجماهير المصرية، ومن قلوب المبدعين العرب جميعًا.

نفي احمد شوقي فجر في نفسه مشاعر الحزن واللوعة من منفاه ويكتب شعرًا حزينًا ومغايرًا لشعر المدح الذي كان يكتبه في مصر، لقد حوله المنفى إلى شاعر آخر، يشعر أن الدنيا كلها بجمالها لا توجد إلا داخل الوطن، فكتب هناك أجمل قصائده، ألا وهي قصيدة غربة وحنين، والتي تعد دليلاً دامغًا على وطنية شوقي وحبه لبلده. وعاد شوقي إلى مصر في عام 1920 م، أي بعد خمس سنوات من النفي في الأندلس.

كانت الرحلة من النفي وسيلة لشوقي كي تعيده إلى صفوف الجماهير مرة أخرى، بعد أن كان يعامل باعتباره ابنًا للقصر الخديوي، وأنه ولي نعمته، أصبح بطلاً شعبيًا وشاعرًا فحلاً يعبر عن وطنه ويجاوب مع همومه وينفى من أجله. وكانت شهرة شوقي واسعة فهو يكتب في أغراض شتى، كتب في النواحي الوجدانية، في المدح النبوي، وفي السياسة وتأثير المنفى عليه، وشعر والأطفال، والرثاء، وفي التاريخ، ولم يترك شيئًا حتى المخترعات الحديثة مثل الطائرة له شعر فيها. وله باع في الشعر المسرحي، ويعد علمًا من أعلامه المميزين.

لقد كان نفي احمد شوقي ذا فائدة وتأثير إيجابي على النواحي الإبداعية للشاعر، وإن كانت قاسية من الناحية النفسية والاجتماعية بما مثلته من غربة وفراق للوطن والأهل.