أهل الذمة في الإسلام

© Ahmad Faizal Yahya | Dreamstime.com

يطلق لفظ أهل الذمة على كل من عاش في بلاد الإسلام وهو على دينه ولكنه دخل بأمان المسلمين وعهدهم للحياة بينهم في أمن وسلام. وبدأت فكرة أهل الذمة في الدولة الإسلامية منذ أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، فوجد فيها أناسًا آخرين يحيون هناك، وهم بعض اليهود والمسيحيين والمجوس، ولذلك أنشأ النبي صلى الله عليه وسلم أحكامًا تنظم التعاملات بين أهل المدينة كافة، ووضع صحيفة خاصة بذلك كانت بمنزلة الدستور الأول في الإسلام، وفيه بيّن النبي صلى الله عليه وسلم الفرق بين المسلمين ومن خالفهم ممن يعيشون معهم في المدينة، وذكر الأساس الذي يقوم عليه أهل الذمة في المعاملة بقوله: “ وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم“. فالشرط أن يكون الذمي تابعًا للدولة الإسلامية ويخضع لها بالتبعية مقرًا بسلطتها، ومن ثم تكون له النصرة وألا يظلم بل وتدافع الدولة عنه وتحصل له على حقه حتى لو كان عند مسلم، وينطبق ذلك على الأقليات والمعاهدين ممن يحيون في ديار المسلمين.

وعرفت تلك الصحيفة بـصحيفة المدينة، وتعد إحدى الأمور المهمة التي نظمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم في السنة الأولى من الهجرة، وهي من أكثر الأعمال التي تبين عظمة الإسلام وعالمية رسالته، فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فيها حقوق أهل الذمة وما لهم وما عليهم، وأنهم شركاء في الوطن يدافعون عنه ضد أي مغير أو طارئ، وأن لهم حقوقهم الدينية وفق شرائعهم يمارسونها بكل حرية. وجاءت الصحيفة التي تعد الدستور الأول في الإسلام من 25 بندًا، 25 منها تخص المسلمين وتنظم علاقتهم الداخلية في المجتمع الإسلامي، و 27 الأخرى خصت أهل الذمة من اليهود والنصارى، لتنظم حياتهم وتأمنهم على أموالهم ودينهم وتحقق لهم الاستقرار والحياة الآمنة.

لقد كان الإسلام سباقًا إلى حقوق الإنسان وما يسمونه الآن بالحرية الدينية، وذلك قبل أن تعرفها أوروبا والغرب بقرون عدة، حتى إن المستشرقين يقفون أمام تلك الصحيفة حائرين، وبعضهم يقول كلمة الحق وإن خالفت أهواءهم، وبعضهم ينظر إليها ويقول هي من مفاخر الإسلام، وبعضهم يراها سابقة لك شيء فيخفي ذلك في نفسه حقدًا وحسدًا.

وقد وضع الإسلام لأهل الذمة بخلاف ما ذكرنا، مجموعة من الأمور التي يجب مراعاتها من جانب المسلمين، مثل الإحسان إليهم ومعاملتهم بما يرضي الله تعالى، والقيام بواجب الحماية وحسن الجوار، فلا يتعرضون لأي ضرر مادي أو معنوي، وعدم التسبب في أذيتهم، وتكون الحماية لهم إذا لم يكونوا محاربين، لأنه إن كانوا محاربين ودخلوا الحرب فقد خرجوا من إطار المُعاهَد وأصبح مثله مثل غيره من المقاتلين. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على حفظ دمائهم وحمايتهم، فقال: “مَنْ قَتل مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجدُ من مسيرةِ أربعين عامًا“. رواه البخاري.

ومن الأمور التي جعلها الإسلام من الأمور الجائزة مع أهل الذمة، زيارة المرض منهم، فعيادة المرض من الأمور الواردة في السنة النبوية، وقد قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم حين زار خادمه اليهودي حين مرض، وقد دعاه إلى الإسلام فهداه الله إليه، فأسلم قبل أن تصعد روحه إلى خالقها، فأكرمه الله بالإسلام قبل أن يموت. وجاز من ذلك استعمال الذمي خادم أو الاستعانة به في العمل، وزيارته إن مرض، وتوجيه النصح له بالإسلام.

إن الإسلام قد تعامل مع أهل الذمة بالقسط والعدل فجعلهم مثل المسلمين تمامًا، لا تهدر حقوقهم المادية والدينية، بل حفظها وطالب أتباعه بحمايتهم وحسن معاملتهم بالمعروف ما داموا يقعون تحت سلطة الدولة الإسلامية ويعدون من رعاياها، ولم يحملوا السلاح أو يحاربوا ضدها.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!

مقالات ذات صلة
عقيدة إيناس الليثي 2020-يوليو-6 السبل الشرعية للوقاية من الأوبئة والفيروسات عقيدة بلال محمود 2020-يوليو-6 قصة توبة “مالك بن دينار” عقيدة علاء حمدي 2020-يوليو-5 أبو سفيان بن حرب.. دهاء وخديعة
رأي
رأي 2020-يوليو-5
صورة ملف شخصي
عبدالعزيز الأسواني
كاتب عمود

رغم أن الإسلام جاء بكل التشريعات التي تخص العدالة والاعتقاد والإيمان، والرحمة والإحسان، والمبادئ الأساسية التي تكرم الإنسان، فإن هؤلاء لا يرون إلا ما أنتجته الآلة الغربية من شذرات مبعثرة هنا وهناك ليكون منهجا ضابطا لحياتنا وأفكارنا وأعمالنا.

متابعة متابعة