خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أهمية الأدب المقارن

ID 54438981 © Irinaorel | Dreamstime.com
ID 54438981 © Irinaorel | Dreamstime.com

يتسم الأدب المقارن بأهمية خاصة نتيجة أنه لا يتوقف أمام الأدب الوطنية ودراستها فقط بمعزل عن غيرها، ولكنه يقوم بعملية تحليل ومقارنة لدراسات المؤثرات والتأثيرات بين الآداب المختلفة، أو بين الأدب العربي وغير من آداب الشعوب الأخرى، بما يمنحنا صورة في النهاية تتمثل في تكوين صورة عن طرق الارتقاء بالأدب والوقوف على مناطق التفرد فيه.

وتتمثل رسالة الأدب المقارن في إغناء النقد الأدبي والدراسات الأدبية، فهو مهمّ في الدراسات الأدبية، وضروريّ للنقد الحديث لأنه يعد مكمّلاً لتاريخ الأدب وأساسًا جديدًا للدراسات النقدية، وهذا ما جعل بعض الباحثين يهولون من دوره ومكانته فيقولون إن أهميته لا تقل عن أهمية النقد الحديث، بل أصبحت نتائج بحوثه عماد الأدب والنقد الحديث معًا.. حتى ليسمَّى النقد الحديث النقد المقارن، إشارة إلى أهمية البحوث المقارنة في جلاء جوانبه واستكمالها. ورغم أن هذا القول يحمل نوعًا من المبالغة والتهويل، فإنه يشير إلى أهمية الأدب المقارن اليوم وقيمته التي تتعاظم يومًا وراء آخر.

إنّ ما يجعل الأدب المقارن جوهريًا لتاريخ الأدب والنقد بمعناهما الحديث، هو كشفه عن مصادر التيارات الفنية والفكرية للأدب القوميّ، وعن جوانب تأثر الكتّاب في الأدب القوميّ بالآداب العالمية، مما يعود بالفائدة على الأدب القوميّ، وذلك من نواح عدّة: فأولاً: فالأدب المقارن يكشف عن جوانب وخصائص الأصالة في الأدب الوطني. وثانيًا: وهو يتتبع حسن إفادة الكتاب والنقاد من الآداب العالمية في إغناء الأدب الوطني. وثالثًا: أنه يوجّه حركات التجديد في الأدب القوميّتوجيهاً رشيداً على هدى ما تسير عليه الآداب العالمية.

وقد يتساءل المرء هنا: ما الأهمية المعرفية لما يقوم به الأدب المقارن من كشف عن مصادر التيارات الفنيّة والفكريّة في الأدب القوميّ؟ وهل الوقوف على جوانب الأصالة في الأدب القوميّ مهمّ إلى هذه الدرجة؟ وهل بوسع الأدب المقارن أن يوجّه حركة التجديد في الأدب القوميّ وجهة رشيدة؟ فيما يخصّ السؤال الأول فإنّ الإجابة عنه تتوقف على الأهمية التي يوليها المرء لمسألة الأصالة في الأدب. فمن النقاد، مثل الدكتور محمد مندور، من يعتبرها سمة أساسية لكلّ أدب جيّد، وهناك بالمقابل نقاد وأدباء لا يولونها أهمية كبيرة. وهكذا فإنّ تقدير أهمية الدور الذي يقوم به الأدب المقارن على هذا الصعيد يتوقف على موقفنا من مسألة الأصالة ومفهومها الشديد الإشكالية. أمّا فيما يخصّ دور الأدب المقارن في توجيه حركة التجديد في أدبنا القومي، أو أيّ أدب قومي آخر، توجيهًا رشيدًا ومسؤولاً، فإنّ أحدًا لا يستطيع أن يمنع الباحثين المقارنين من أن يطمحوا إلى القيام بدور كهذا، ولكن ربما كان من المفيد في هذا السياق أن نذكّرهم بأنّ الطموح شيء، وتحقيق ذلك الطموح عمليًا شيء آخر.

وتعد الفرص المتاحة للأدب المقارن كي يحقق طموحه في توجيه حركة التجديد في الأدب الوطني ليست أكبر ولا أصغر من الفرص المتاحة للدراسات الأدبية والنقد الأدبي بوجه عامّ في توجيه حركة الإنتاج الأدبيّ. إن الأهمية التي يحظى بها الأدب المقارن، لا تجعل منه موضوعًا متعاليًا على النقد الأدبين بل هو موضوع مؤثر في إيضاح بعض الجوانب النقدية الخاصة بمسألة التأثير والتأثر ودورهما في عملية الارتقاء بالآداب الإنسانية عامة، والوطنية خاصة.

إن أهم ما يتميز به الأدب المقارن أنه يستطيع تقديم رؤية متكاملة عن بعض آداب الشعوب الأخرى، والوقوف على مناطق التماس بينها وبين الآداب الوطنية، مما يمكن من معرفة الأمور التي وفدت علينا من خلال تلك الآداب، ومعرفة كيفية استغلالها من قِبل الأدباء، وما الجديد الذي تفردوا به عن سواهم، وتلك مسائل مهمة يختص بها النقد الأدبي المقارن ويوليها عناية خاصة.