خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أولُ ما يَبْتَدِئ بهِ طالبُ العلمِ حياتَه العلمية

تعد مرحلة التوجيه مهمة في حياة طالب العلم، وخاصة في البواكير الأولى التي يكون فيها الطالب في حاجة ليتخير طريقه ويعي ما يقوم بدراسته أولاً، وكيف يسلك طريق العلم وأي المناهج يجب أن يحصلها أولاً، فهذا شق ضروري لإعداده وتأهيله، ولذا نقف هنا على تلك الزاوية لإفادة الآباء والطلاب واختصر الطريق عليهم.

فما الذي يجب أن يبدأ به طالب العلم؟ قال الحافظ البغدادي رحمه الله تعالى: “ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل، إذ كان أجَل العلوم وأولاها بالسبق والتقديم… فإذا رزقه الله تعالى حفظ كتابه فليحذر أن يشتغل عنه بالحديث، أو غيره من العلوم اشتغالاً يؤدي إلى نسيانه… ثم الذي يتلو القرآن من العلوم، أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسننه، فيجب على الناس طلبها إذ كانت أسّ الشريعة وقاعدتها”. ويظهر من هذا القول أن الأمر الأول لطالب العلم هو: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على أن يكون القرآن أولاً ثم بعد الحفظ والإتقان تأتي السنة بعد ذلك تالية.

ويزيد ابن عبد البر رحمه الله تعالى على ذلك فيقول: “فأول العلم حفظ كتاب الله جل وعز وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه…”، أي أن يكون كتاب الله أول ما يتعلمه الطالب، ويزيد عليه ما من شأنه أن يجعل الطالب فاهمًا واعيًا بما جاء فيه. ثم إنه يبرهن على كلامه فيقول: “القرآن أصل العلم، فمن حفظه قبل بلوغه، ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب كان ذلك له عونًا كبيرًا على مراده منه، ومن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك، وهو أمر قريب على من قربه الله عز وجل عليه، ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبها يصل الطالب إلى مراد الله عز وجل في كتابه، وهي تفتح له أحكام القرآن فتحًا”.

ويضيف ابن الجوزي إلى ذلك أن يجب الطالب بين حفظ كتاب الله والعلم بتفسيره والوقوف على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قراءة سيرته وسير الصحابة والأئمة، فيقول: “فينبغي لذي الهمة أن يترقى إلى الفضائل، فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره، وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبمعرفة سيره وسير أصحابه، والعلماء بعدهم، ليتخير مرتبة الأعلى فالأعلى، ولابد من معرفة ما يقيم به لسان من النحو، ومعرفة طرف مستعمل من اللغة، والفقه أصل العلوم”. وبذلك يضيف هذا القول علوم السير واللغة وشيئًا من الفصاحة والفقه، وذلك كي يصبح الطالب مؤهلاً لطريق العلم والتخصص بعد ذلك.

وعلى ذات المنوال يوضح الإمام النووي رحمه الله تعالى تلك المسألة، فيرتب التحصيل وما يجب على الطالب دراسته أولاً فيقول: “وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز، فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعملون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما، اشتغالاً يؤدي إلى نسيان شيء منه، أو تعريضه للنسيان، وبعد حفظ القرآن يحفظ من كل فن مختصرًا ويبدأ بالأهم، ومن أهمها الفقه والنحو، ثم الحديث والأصول، ثم الباقي على ما تيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته “أي فهم تلك النصوص وشرحها”، ويعتمد من الشيوخ في كل فن أكمله”.

إن طالب العلم إذن في حاجة ماسة أولاً لكي يبدأ طريقه، لأن يحفظ كتاب الله تعالى، ثم يتجه إلى تفسيره وفهم معانيه، ثم يتلقى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وسيرة أصحابه ثم سيرة الأئمة والعلماء، ويضاف إلى ذلك إتقان علوم النحو واللغة، ليأتي دور الفقه في النهاية، وباب العلم واسع وكبير ويحتاج لجهد وصبر مع طول نفس ومَلكة تعين عليه.