خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أول شبهة وقعت في الخَليقة وتوابعها

ID 123473815 © Brina Bunt | Dreamstime.com

لا شك أن شبهة إبليس –لعنه الله- هي أول شبهة وقعت في الخليقة، وكان مصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، وأنه اختار الهوى في أسلوب معارضته لأمر الله تعالى، ومع ما أصاب جسده من الكبر، وخاصة اغتراره بالمادة التي خُلق منها وهي النار، في مقابل المادة التي خُلق منها سيدنا آدم عليه السلام وهي الطين. وقد انقسمت تلك الشبهة بعد ذلك إلى سبع شبهات اجتاحت الخليقة، وسرت في أَذهان الناس حتى صارت مذاهب للبدعة والضلالة، ومن والمعلوم أن كل الشبهات الناشئة هي من شبهات إبليس اللعين.

وقد ورد في التنزيل التحريم باتباع خطوات الشيطان، قال تعالى: وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُبِينٌ. (سورة البقرة: 168)، وقد وشبَّه النبي صلى الله عليه وسلم كل فرقة ضالة من هذه الأُمة بأُمة ضالة من الأُمم السالفة فقال: الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذِهِ الأُمَّةِ إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم (رواه أبو داود وحسنه الألباني). وقال أيضًا: والمشبهة يهود هذه الأمة والروافض نصاراها. وقال صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذَّةِ بالقذة -ريش السهم- حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. (البخاري ومسلم)

ومن الملاحظ أن شبهات كل نبي أو صاحب ملة وشريعة في آخر زمانه، ناشئة أصلاً من شبهات الخصوم والأعداء ممن كانوا موجودين في أول زمانه من الكفار والمنافقين، حتى وإن كان أمر الأمم السابقة خافيًا علينا، فإن أمر أمتنا الإسلامية ظاهر وبارز، فقد نشأت شبهات أمة الإسلام منا أثاره المنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وسألوا عما منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه.

ومن ذلك الباب ما جاء في حديث ذي الخويصرة التميمي إذ قال: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل. حتى قال عليه الصلاة والسلام: إن لم أعدل فمن يعدل؟! فعاد اللعين وقال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى. فكان ذلك خروجًا صريحًا على النبي عليه الصلاة والسلام، فمن اعترض على الرسول، أحق بأن يكون خارجيًا، أو ليس ذلك قولاً بتحسين العقل وتقبيحه؟ وحكمًا بالهوى في مقابلة النص، واستكبارًا على الأمر بقياس العقل؟. حتى قال عليه الصلاة والسلام: سيخرج من ضئضيء هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. (رواه البخاري، والضئضيء: الجنس والنسل، أي من جنس هذا الرجل ونسله)

        وقد بدأ النفاق مبكرًا، ابتداء من عصر النبي صلى الله عليه وسلم وما تلاه، فقد تم اعتبار حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد حينما قالوا: “هل لنا من الأمر من شيء”. (سورة آل عمران: 154)، وقولهم:”لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا”، وقولهم: “لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا”. (سورة آل عمران: 156)، فكان هذا تصريح بالقدر. ثم جاءت طائفة أخرى من المشركين: “لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء”. (سورة النحل: 35). وقالت طائفة أخرى: “أنطعم من لو يشاء الله أطعمه”. (سورة يس: 47)، فهل هذا إلا تصريح بالجبر؟ وجاءت طائفة أخرى جادلت في ذات الله، تفكرًا في جلاله، وتصرفًا في أفعاله حتى منعهم وخوفهم بقوله تعالى: “ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال”. (سورة الرعد: 13)

وقد حدث ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في قوته وصحته وتأثيره على مَنْ حوله، لكنّ المنافقين كعهدهم دائمًا يخادعون الله ورسوله، يظهرون شيئًا ويبطنون شيئًا مغايرًا، يجعلون الاعتراض بابًا يدخلون منه في كل وقت، فأثاروا الشبهات وجعلوها منثورة في الطرقات، كي يضل الناس بضلالهم وغوايتهم. وعلينا أن نتنبه إلى أن ما حدث مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أثناء مرضه وبعد موته، لم يكن شبهة ولا غواية، بل هو من باب الخلافات الاجتهادية، فكل منهم يريد المصلحة العامة للمسلمين، ولا يبغي إثارة شبهة أو إقامة فرقة.