خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أين كُتب الخوارج ومراجعهم العلمية؟

ID 42216314 © Kevingrotz | Dreamstime.com

يتساءل البعض عن كتب الخوارج العلمية التي يعتمدون عليهم في اعتقاداتهم، نظرًا لأنهم انتشروا عبر مئات السنين في أنحاء شتى لذا كان لا بد أن يكون لهم رصيد علمي يدرس ليتمكن الباحثون من الوقوف عليه واستثماره بالنقد والتحليل، والوقوف على التفاوتات والمناطق الغائمة فيه، فالخوارج فرقة كبيرة من الفرق الاعتقادية، وتمثل حركة ثورية عنيفة في تاريخ الإسلام، وقد شغلت الدولة الإسلامية فترة طويلة من الزمن، بل ولا يزال لهم وجودهم القوى إلى اليوم. فقد بسطوا نفوذهم السياسي على بقاع واسعة من الدولة الإسلامية في المشرق وفى المغرب العربي، وفى عُمَان وحضرموت وزنجبار “تنزانيا الآن” وما جاورها من المناطق الإفريقية في المغرب العربي، ولا تزال لهم ثقافتهم المتمثلة في المذهب الإباضي المنتشر في تلك المناطق.

ولا يخفى كذلك أن بعض أفكار الخوارج المتعلقة بتكفير العصاة لا يزال لها أتباع حتى وقتنا الحاضر. ولكن السؤال الملح هنا: هل للخوارج مصنفات تحمل آراءهم؟ أين ما كتبوه طوال تلك السنوات؟ أين إرثهم التليد؟ لعل الإجابة عن تلكم الأسئلة ستكون مخيبة للآمال، يقول الدكتور غالب بن على: “وإذا استثنينا ما كتبه الإباضية –على قِلَّتِهِ- فإننا لا نجد مرجعًا لمعرفة آراء بقية الخوارج إلا ما حكاه عنهم المؤرخون وعلماء الفرق، وفى هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة والزيدية والكرَّامية والأشعرية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة، والصوفية، ونحو هؤلاء”. (مجموعة الرسائل الكبرى، ج 1، ص 36)

 وفي هذا الصدد يقول الدكتور مصطفى حلمي فيما يعزوه إلى الخطيب على بن الحسين الهاشمي: “ومن العسير الوقوف على معتقدات الخوارج من واقع كتبهم نفسها لحرصهم الشديد عليها وهى نادرة إن وجدت، فالغالب أن مكتبات المسلمين عارية عن مؤلفاتهم”. (الخوارج، ص 18)، ويتداخل الدكتور محمود إسماعيل مع تلك الفكرة قائلاً: “والواقع إن عديدًا من المصاعب تعترض سبيل من يتصدى للتأريخ لهذا الموضوع، ففي بعض الأحيان تندر المادة التاريخية… فعلى الرغم من كثرة ما دون عن تواريخ الخوارج لم يصل إلينا منها إلا القليل النادر”. (الخوارج في المغرب الإسلامي، ص 6)

وترجع قلة مؤلفات الخوارج وضياع ما ألفوه إلى طبيعة حياتهم الثورية؛ حيث كانت الثورات والمعارك تأخذ منهم جهودهم وأوقاتهم، فيصعب عليهم وضع المؤلفات في تاريخهم وتسجيل آرائهم. لقد خرجوا من حرب إلى أخرى دون هوادة أو استسلام، لم يعرفوا الراحة أو الهدوء، وعرفوا حياة التنقل والترحال، وكانوا يحطون في الأصقاع البعيدة، ولا يكادون يجدون استقرارًا لكونهم مطاردين أغلب الوقت أو طاردين غيرهم بقوة السيف.

ومما لا شك فيه أن قلة مؤلفات الخوارج وضياعها وندرة ما بقى منها أو عدم إظهاره، قد أقام العقبات والصعوبات أمام المؤرخ لهم، وجعله يعود على كتب التاريخ وعلماء الفرق والموسوعات الأدبية القديمة، وذلك ليستقصي خبرهم من خلال نظرة الآخرين وما قاموا به من أفعال، وما رصدهم الناس من أقوالهم، فكل ذلك يمكن أن يعين الدارسين لأصول الفرق في تقصي مناطق النزاع، ومعرفة بواطن الخلاف، والوقوف على مناطق الابتعاد عن غيرهم أو العكس الوقوف على الأمور التي يتفقون فيها مع غيرهم.

ويحاول الباحثون التغلب على هذه الصعوبة من خلال بذل جهد مضاعف، فمنهم من ينقب في الكتب والمكتبات وفي كتابات غيرهم عنهم، ومنهم من يرحل إلى الأمصار باحثًا عن كتاباتهم، ومنهم من يقوم بالاتصال ببعض المشتغلين بدراسة الخوارج والمعنيين بها، ومن أقاموا دراسات حولهم. إن عدم وجود مراجع علمية كتبها الخوارج بأنفسهم وعن أنفسهم تعد معضلة كبيرة وتحتاج إلى التفسير وبذل الجهد والتقصي للوقوف على الأسباب الكامنة وراء ذلك.