خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

إبادة سكان القارة الأمريكية الأصليين

brett-zeck-eyfMgGvo9PA-unsplash
Brett Zeck-Unsplash

عاش الأمريكيون الأصليون أو الهنود الحمر في جميع أنحاء أمريكا الشمالية والجنوبية، وتتنوع القبائل التي ينتمي إليها السكان الأصليون، فتتنوع معها أماكن سكناهم، وقد عاشوا في البر الأمريكي، وهم يعبدون آلهة مختلفة ولهم طقوسهم وشعائرهم الوثنية الخاصة بهم، ومع قدوم المستوطنين الإسبان بدؤوا بإرسال بعثات تنصيرية للتعريف بالنصرانية والترغيب بها، فتنصر البعض وبقي البعض على وثنيتهم، وأما من الناحية الاستعمارية الاستيطانية فقد عَمِل الإسبان على تملك المناطق الجديدة، وكانوا مسلحين تسليحًا كبيرًا، وقد استغلوا تنافس قبائل السكان الأصليين فيما بين بعضهم بعضًا، فقد أعاد المستعمر الجديد استخدم سياسته في التنكيل والقتل وإظهار وحشيته في العالم الجديد وذلك بعد أن مارسها على مسلمي الأندلس.

   ويرصد لنا المطران برتولومي دي لاس كازاس صورًا من وحشية الإسبان وفظائعهم في القارة الأمريكية في حقّ السكان الأصليين الهنود الحمر. وفي الحقيقة هم ليسوا هنودًا ولا حمرًا، وإنما أطلق عليهم كريستوفر كولومبوس بلاد الهند زعمًا منه أنها شبه الجزيرة الهندية،

وكان المطران برتولومي شاهدًا على ما ارتكبه الإسبان من فظائع بالمسلمين وهو صغير في السن، كاهنًا ثم أصبح شاهدَ عيانٍ على المجازر الإسبانية بوصفه أول راهب إسباني في بلاد الهند الغربية، حيث وصف الإسبان الغزاة بأنهم: “كانوا يسمون المجازر عقابًا وتأديبًا لبسط الهيبة وترويع الناس، فكانت هذه سياسة الاجتياح المسيحي، فأول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية أو مدينة، هو ارتكاب مجزرة مخيفة. وكان يصف لك القاتل والمُبِشر في مشهد واحد، فلا تعرف ممن تحزن، أمن مشهد القاتل وهو يذبح ضحيته أو يحرقها أو يطعمها للكلاب، أم من مشهد المبشر الذي تراه خائفًا من أن تلفظ الضحية أنفاسها قبل أن يتكرم عليها بالعماد.

ونقل المطران صورًا صعبة عن طريقة التبشير، فحين كانت الحملة تصل إلى القرى والمدن الهندية بعد منتصف الليل، تعلن على الهنود باللغة الإسبانية التي لا يفهمها أحد: “يا سكان القرية أو المدينة إننا نعلمكم بوجود إله ووجود بابا ووجود ملكقشتالةسيد هذه الأراضي، فاخرجوا وأعلنوا الطاعة، وإلا فإننا سنحاربكم ونقتلكم“. وكان الفجر ينبلج عن حمّام الدم، فكانوا ينصبون المشانق في الحي في مجموعات، وكل مجموعة مكونة من ثلاثة عشر مشنوقًا من أجل تكريم السيد المسيح وحواريّيه الاثني عشر وتبجيلهم.

كانت محاكم التفتيش تطارد المسلمين وتفتك بهم، ورجال التبشير يطاردون الهنود ويفتكون بهم بأمر من الباباوات. لقد استعمر الإسبان المكسيك والبيرو ووصلوا إلى سواحل فنزويلا، وكان المطران شاهدًا على ما ارتكبه المسيحيون الإسبان فيها، فقد كان الإسبان في البدء يسبون النساء والأطفال ليستخدموهم كما يشاؤون، ثم راحوا يسرقون طعامهم، ولم يكتفوا بما كان الهنود يقدمونه لهم عن رضا نفْس.

أما أسياد الهنود ونبلاؤهم فكانوا يُقْتلون عن طريق أن تُصنع لهم مشواة من القضبان ويضعون فوقها المِذْراة، ثم يُربط هؤلاء المساكين، يقول المطران برتولومي: “ولقد شاهدت مرة أربعة من هؤلاء الأسياد فوق المشواة، وبما أنهم يصرخون صراخًا شديدًا أزعج مفوض الشرطة الإسبانية الذي كان نائمًاوهو من أسرة قشتالية، فقد وضعوا في حلوقهم قطعًا من الخشب أخرستهم“.

وأما الذين هربوا إلى الغابات وذرى الجبال بعيدًا عن هذه الوحوش البشرية الضارية، فقد روّض لهم الإسبان المسيحيون كلابًا سلوقية شرسة لحقت بهم، وكانت كلما رأت واحدًا منهم انقضت عليه ومزقته وافترسته كما تفترس الخنزير، وحين كان الهنود يقتلون مسيحيًّا دفاعًا عن أنفسهم، فإنهم كانوا يبيدون منهم مائة، لأنهم يعتقدون أن حياة المسيحي تساوي حياة مائة هندي أحمر.

فهذه الصور البشعة التي تُدمي قلب كلّ إنسان، ليست إلا جزءًا من آلاف الصور التي ذكرها شاهد العيان المطران برتولومي دي لاس كازاس الذي حُورب من الكنيسة ومن الإسبان أنفسهم، فقد وقف ضد المجازر حسب إمكاناته، فكان إنسانًا لا إسبانيًّا ولا مسيحيًّا، ومع ذلك فإن أحدًا لا يستطيع أن يتهمه في دمه الإسباني أو دمه المسيحي.

وتلك صورة مصغرة عن تلك الإبادة المشينة التي تمت على يد الغازي المحتل.