خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

إبليس في ضيافة إبراهيم الموصلي

ID 148135394 © Rafał Cichawa | Dreamstime.com

كان إبراهيم الموصلي عازفًا على العود يغشى مجالس الأمراء والخليفة ويتقصدهم ببعض الأشعار التي تنشدها خلفه بعض الجواري صاحبات الصوت الحسن. وقد حدث معه أمر غريب إذ زاره طارق ذات يوم، فلم يعرفه، ولم يره من يقفون بباب بيته، ولم تره النساء بل سمعن صوته فقط. فما قصة ذلك الرجل الذي اتضح فيما بعد أنه إبليس؟

يقول الموصلي: استأذنت الرشيد أن يهب لي يومًا من الأيام للانفراد ببعض الخدم والجواري والصحبة، فأذن لي في يوم السبت، فأتيت منزلي وأخذت في إصلاح طعامي وشرابي وما احتجت إليه وأمرت البوابين بإغلاق الأبواب وألا يأذنوا لأحد بالدخول عليَّ، فبينما أنا في مجلسي والحريم قد حففن بي، وإذا بشيخ ذي هيبة وجمال وعليه جبتان قصيرتان وقميص ناعم وعلى رأسه قلنسوة وبيده عكازة مقمعة بفضة وروائح الطيب تفوح منه حتى ملأت الدار والرواق، فداخلني غيظٌ عظيم لدخوله علي وهممت بطرد البوابين فسلم عليَّ أحسن سلام، فرددت عليه وأمرته بالجلوس، فجلس وأخذ يحدثني بأحاديث العرب وأشعارها حتى ذهب ما بي من الغضب وظننت أن غلماني تحروا مسرتي لإدخال مثله عليَّ لأدبه وظرفه، فقلت: هل لك في الطعام؟ قال: لا حاجة لي فيه. قلت: فالشراب؟ قال: ذلك إليك.

ثم قال: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغنينا شيئًا فنسمع من صنعتك ما قد فقت به العام والخاص. فأخذت العود وضربت وغنيت، فقال: أحسنت يا إبراهيم، فازددت غيظًا فقلت: ما رضي بما فعله في دخوله بغير إذني واقتراحه عليَّ حتى سماني باسمي ولم يجمل مخاطبتي. ثم قال: هل تريد أن نكافئك؟ فترنمت وأخذت العود وغنيت وتحفظت فيما غنيته، قمت به قيامًا تامًّا. فطرب وقال: أحسنت يا سيدي، ثم قال لي: أتأذن لي في الغناء؟ فقلت: شأنك، واستضعفت عقله في أن يغني بحضرتي بعد الذي سمعه مني. فأخذ العود فوالله خلت أن العود ينطق بلسان عربي واندفع يغني هذه الأبيات:

ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني … بها كبدًا ليست بذات قروح

أباها على الناس لا يشترونها … ومن يشتري ذا علة بصحيح

أئن من الشوق الذي في جوانحي … أنين غصيص بالشراب طريح

قال إبراهيم: فو الله لقد ظننت أن الأبواب والحيطان وكل ما في البيت تجيبه وتغني معه، وبقيت مبهوتًا لا أستطيع الكلام والحركة لما خالط قلبي، ثم اندفع يغني ويغني مرة بعد مرة وينشد الأبيات الجميلة بصوت رائع. ثم قال: يا إبراهيم هذا الغناء الماخوري خذه وانحُ نحوه في غنائك وعلِّمه جواريك. فقلت: أعده عليَّ؟ فقال: لست تحتاج إلى إعادة فقد أخذته وفرغت منه.

وفجأة إذا بالشيخ وقد غاب من بين يدي فارتعبت منه وقمت إلى السيف وجردته ثم غدوت نحو أبواب الحريم فوجدتها مغلقة، فقلت للجواري: أي شيء سمعتن؟ فقلن: سمعنا غناء أطيب شيء وأحسنه. فخرجت متحيرًا إلى باب الدار فوجدته مغلقاً فسألت البوابين عن الشيخ فقالوا: أي شيخ، فوالله ما دخل إليك اليوم أحد. فرجعت أتأمل أمره، فإذا هو قد هتف بي من جوانب البيت، وقال: لا بأس عليك يا أبا إسحاق، فإنما هو أبو مرة قد كنت نديمك اليوم، فلا تفزع.

وقد ذُهل الموصلي من ذلك الموقف وأحس أن إبليس في بيته، ولذا قام وركبت إلى الرشيد فأخبره الخبر، فقال له: أعد الأصوات التي أخذتها، فأخذ العود وضرب، فإذا هي راسخة في صدره، فطرب الرشيد عليها، وقال: كأن الشيخ علم أنك قد أخذت الأصوات وفرغت منها فليته متعنًا بنفسه يومًا واحدًا كما متعك، ثم أمر لي بصلة فأخذها وانصرف. وقد فعل الرشيد ذلك ليهدئ من روعه وكي تسكن نفسه مما رأى وسمع، وجعله يدرك أن ذلك لم يكن أمرًا كبيرًا يُحزن المرء ويكدر عليه صفوه، ولذا جعله يعيد الأصوات التي سمعها منه لكي ينزع الشك من صدره.