خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

إرضاء الناس غاية لا تدرك!

ID 2840325 © Johnathan Andrews | Dreamstime.com

في ذات يوم كان جحا وابنه يسيران معًا في طريقهما إلى سوق المدينة العامر، وكان جحا راكبًا حماره صغير الحجم، وقد أمسك ابنه بلجام الحمار وسار أمام أبيه فرحًا يحدثه فيبادله الحديث. وفي أثناء السير مرا على جماعة من الناس، وقد بدؤوا يتهامسون ويتحدثون، وتعجبوا من فعل جحا: كيف يركب وحده ويترك ابنه الصغير يسير على الأرض بقدميه. فكر جحا في حديثهم، فوجده صوابًا، إذ لم يتركوا له فُسحة يخرج منها، فهو راكب وابنه يسير أمامه.

ونتيجة لذلك اتخذ جحا قراره، فنزل بعد قليل من على حماره، وأشار على ابنه بأن يركب مكانه حتى لا يتحدث الناس عليه بمثل هذا الحديث، وبالفعل ركب الولد مكان أبيه، واتخذ جحا من موضع ابنه مكانًا ومشى أمام الحمار وأمسك باللجام، وسارا معًا على تلك الحال مدة من الوقت في طريقهما إلى السوق. ولما اقتربا من بئر محاطة بمجموعة من النسوة، إذ رأت واحدة من هن المشهد وهالها ذلك، فقالت إحدى النساء لجحا: ما بك أيها الرجل؟ ألا تشفق على حالك؟ أراك رجلاً عجوزًا، ومع ذلك تترك ولدك الصغير واليافع يمتطي الحمار دونك. ورأى جحا أن هذا الكلام مقنع للغاية، إذ كيف به وهو كبير في السن ولا يقدر على السير أن يقوم بذلك، ويترك ابنه القادر على السير يركب الحمار.

وعلى الفور قام جحا بامتطاء الحمار خلف ابنه، وأخذا معًا يستكملان المسير، وكان الجو قد أخذت حرارته في الاشتداد وتوسطت الشمس السماء، فما كان من جحا إلا أن أبطأ حركة الحمار بسبب حرارة الشمس، وثقل ما يحمل. وعندما أصبح جحا وحماره وابنه على أطراف سوق المدينة، كان هناك جمع من الناس يجلسون هناك، فقام أحدهم وقال متعجبًا من جحا وابنه: ألا تستحيان؟ أتركبان ظهر الحمار في تلك الحرارة؟ ألا ترحمان هذا المسكين؟ الحمار قد أصبح بطيئًا للغاية وليست لديه قدرة على التحمل.

وهنا بدأ جحا يستشعر الحرج الشديد فقد لمس الكلام فؤاده، ولذا قرر أن ينزلا معًا ويسيرا بجانب الحمار الذي يمشي وحيدًا. ولما دخلا إلى السوق أخذ الناس يتعجبون من فعلتهما، واستنكرا ذلك عليهما، إذ كيف يمشيان ويترك الحمار دون أن يحمل شيئًا، وخاصة وأن الجو شديد الحرارة. وبدؤوا بعض الناس في السخرية والاستهزاء من هذ الفعل، وأخذ الناس يتضاحكون، وقال: لا ينقصكما أيها الرجلان، غير أن تقوما معًا بحمل الحمار على أكتافكما أو ظهريكما. وقد شعر جحا بالضيق الشديد من ذلك الكلام، وأخذ يفكر في حاله وقد أيقن أن رضاء الناس غاية لا تدرك، ولا يمكن له التسليم بكل الآراء التي يسمعها.

إن تلك القصة تدلنا على أن الناس لن يقبلوا شيئًا حتى لو كان صحيحًا دون أن يقلبوا فيه، ويتقولوا عليه الأقاويل، لقد فعل جحا كل شيء يمكن أن يرضيهم ومع ذلك لم يستطع الوصول إلى إرضاء الجميع، لقد كان في الوضع السليم تمامًا في البداية؛ حيث كان راكبًا، وهو شيخ كبير لا يتحمل السير في هذا الجو الحار، وكان ابنه ماشيًا، وهو شاب يافع يمكنه السير دون الشعور بالألم، ولكن ذلك لم يرض طائفة من الناس. ثم إنه هَمَّ بالركوب خلف ابنه، ولكن وجهة النظر لم يتغير كثيرًا، فتم اتهامه بعدم الرحمة لأنه يركب الحمار مع ابنه فيثقل عليه. وفي المرة الثالثة عندما تركا الحمار يسير وحيدًا اتهما بالغباء وقلة الحيلة وانعدام الفكر. وهكذا فإن جحا لم يصل لرضا الناس في حالاته الثلاث ولم يتبقَ غير أن يحمل الحمار على ظهره ليستريح الناس.