خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الحديث الشامل الجامع: “إنما الأعمال بالنيات”

 يعد حديث: ” إنما الأعمال بالنيات …”، من أهم الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكونه يعد بابًا أساسيًا لأي عمل نقوم به، فهو أصل من أصول الدين وعليه تدور أغلب الأحكام، فقد حدد الحديث النية في الابتداء في العمل وجعلها الأساس المتين لقبوله.

نص حديث إنما الأعمال بالنيات

ونص الحديث كما يلي: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: “سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:

“إِنَّما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيا يُصِيبُها أو امْرأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه” (متفق عليه، رواه البخاري ومسلم في صحيحهما).

إن هذا الحديث عليه مدار الإسلام كله، وهو من الأهمية بمكان لدرجة أن الإمامين الشافعي وأحمد بن حنبل قالا عنه: “يدخل في حديث: “إنما الأعمال بالنيات” ثلث العلم، وسبب ذلك أن كسب العبد يكون بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية بالقلب أحد الأقسام الثلاثة”. فهذا الحديث يدخل في باب المعاملات والعبادات والنكاح، وتقريبًا في كل أبواب الفقه.

ومن أهميته وفرط مكانته ابتدأ به الإمام البخاري صحيحه، وبدأ به الإمام النووي ثلاثة من كتبه، ألا وهي: رياض الصالحين، الأذكار، الأربعين النووية. وقال عنه أبو عبد الله: “ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم أجمع وأغنى فائدة من هذا الحديث”، ذلك أنه حديث جامع وشامل ولذا عظُمت فائدته.

قال عنه الشافعي رحمه الله: “يدخل في سبعين بابًا من أبواب العلم”. ومن الأقاويل التي تذكر سبب ورود هذا الحديث ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه حين قال: “كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه: مهاجر أم قيس”. (رواه الطبراني، ورجاله ثقات)، وقد خالف ذلك الحافظ فقال: “قصة مهاجر أم قيس، رواها سعيد بن منصور والطبراني، لكن ليس فيه أن هذا الحديث سيق لأجله” (فتح الباري).

دروس مستفادة

ومن الفوائد الجمة لهذا الحديث، أنه يعطينا درسًا في أن الأمور بمقاصدها، وأن من نوى عملاً صالحًا ولم يفعله لسبب من الأسباب أُثيب عليه، وأن الأعمال لا تقبل دون نية مسبقة، فالنية أساس العمل، وأي عمل يكون بلا نية يعد هباءً منثورًا. كما يوجهنا الحديث إلى الإخلاص في العمل والعبادة، لكي نحصل الأجر والثواب في الدنيا والآخرة. وأن النية تبلغ حيث يبلغ العمل، وكل عمل مباح نقوم به من خلال الإخلاص وابتغاء الثواب من الله تعالى يعد عبادة نؤجر عليها. كما أن الإنسان يُعطى على نيته ما لا يُعطى على عمله، فبها يتميز العمل من كونه عادة إلى دخول بالنية إلى العبادة. قال النووي رحمه الله: “كما أنَّ الرياء في العمل يكون في ترك العمل”. وقال القاضي بن عياض: “ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يُعافيك الله منهما”.

ويعلمنا الحديث أن نضرب الأمثلة لتبين بها الحكم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ضرب مثلاً بالمرأة التي يهاجر معها الرجل ليتزوجها، لتكون دليلاً النية غير الحسنة أو النية التي تبتغي غرضًا آخر. قال بعض العلماء عن ذلك الحديث: إنه يعد ميزانًا للأعمال الباطنة، أما حديث “من أحدث في أمرنا هذا… “، فهو ميزان للأعمال الظاهرة.

صلاح النية

وتكون النية في الأمور المباحة والمستحبة، وبذلك يُحصِّل المسلم الثواب عليها حتى إذا لم يقم بها، قال ناظم سلطان: “ولكن المباح إذا خالطته النية الصالحة، يكون بذلك قربة ويُثاب فاعله على ذلك، فمن أكل أو شرب ونوى التقوّي على طاعة الله ورسوله، يُثاب على هذه النية، وكذلك من نوى بكسبه كفَّ وجهه عن المسألة، والإنفاق على نفسه وعياله وهكذا”. (انظر: قواعد وفوائد من الأربعين النووية: 32)، فعلينا أن نُحسن نياتنا، وأن نقدمها في كل أفعالنا الخيرة التي نقوم بها أو سنقوم بها مستقبلاً، حتى نؤجر عليها من الله سبحانه وتعالى.