خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

إنما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب

ID 122497017 © Rawpixelimages | Dreamstime.com

يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم فارقًا دقيقًا بين القوة والتي قد تكون في غير محلها ويتساوى فيها الكثير بين الناس، وبين الشدة الحقيقية التي يمتاز بها العبد المؤمن، إذ قال صلى الله عليه وسلم: “لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ”. (متفق عليه)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا لله أو أن تنتهك محارم الله، وكان إذا غضب أشاح بوجهه وأعرض. والغضب شعور نفسي يداخل المرء بين حين وآخر ويعد طبيعيًا إذا حافظ الإنسان من خلاله على الحياة والدين والعرض والمال، وإذا تم تجاوز هذا الحد بلغ درجة العدوان وانتقل من الحالة الطبيعية إلى مرض نفسي خطير ومدمر.

نظرًا لما في الغضب من أمور سلبية كثيرة، فإن الحلم هو سيد الأخلاق، وإعراض الغاضب وإشاحته عن ذاك الشعور يعد من الأمور الحسنة، لأن الغضب يحيل القلب إلى قسوة، وجحود ونكران، وقد يصل الأمر إلى الاعتداء والظلم، ويكفي أن نعلم أن بذور المعاصي نابعة من الظلم.

والغضب ليس شكلاً واحدًا فمنه ما هو سلبي، مثل الصراخ في وجه الأطفال، وأن يغضب الإنسان لنفسه فقط، وأن يغضب لفوات المصالح وضياع الأوقات وانتهاء اللذات، وهو غضب ذاتي مذموم، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ومنه ما هو إيجابي، مثل: الغضب لله تعالى وحده، كانتهاك الحرمات أو وقوع التجاوزات، لأن ذلك غضب محمود.

إذا أردتَ أن تكون قويًا وشديدًا فلا تغضب، فالغضب سيعميك عن طريقك الذي تسعى فيه، وسيجعلك تضعف مع مرور الوقت أكثر وأكثر، وستصبح مقودًا بدلاً من أن تقود سفينة نفسك. ومما لا شك فيه أن هناك مغذيات عدة للغضب، ولعل أبرزها المشكلات النفسية التي يواجهها الإنسان، مثل: انعدام الحب، وسوء التقدير، وعدم الانتماء، والإحساس بالإساءة والتوبيخ، وغير ذلك من أمور. كما تلعب المشكلات الخاصة بفهم الأمور في الغضب، وعادة ما يكون الاستعجال من الأشياء التي تجعلنا نفقد تركيزنا وسيطرتنا على الأمور من حولنا. أما السبب المباشر للغضب فيتمثل في شعور المرء بالخوف أو الخطر أو التهديد المادي والمعنوي، يضاف إلى ذلك الشعور بالجوع والمرض، والاحتقان النفسي، ومحاولة التقليد للآباء، وتدليل الأطفال أكثر من اللازم. ويرى علماء النفس أن الغضب من الموقف ذاته، إنما يكون من فهمك للموقف، ودوافعه وأفكاره، وما تتطلب من تقييمك ونظرتك، ولذا لا تتدعي وتقول: هو من أغضبني. لأن ذاتك في الحقيقة هي من أغضبك بجانب تقييمك للأمور وشخصيتك في المواقف الصعبة، لذا لا تبحث عن العلاج خارج نفسك، فداخلها يكمن الحل.

وينقسم الغضب إلى مراحل متفاوتة، فهو لا يبدأ مثل كرة النار، بل إنه يبدأ في النشأة من الأساس ثم يشتد رويدًا رويدًا، ثم يزداد مع الوقت ويصبح عتيًا لا يفارق صاحبه، وهنا يكون التعدي باللسان أولاً، ويمتد إلى استخدام الدم، ثم يصبح الذهن مشتتًا بمزيج متناقض من الأفكار، تم يكون لوم النفس على ما بدر منها، وحثها على التراجع.

ولا شك أن الكلمة الطيبة تمتص المشاعر السلبية، وتبعث برسالة إلى النفس المضطربة والقلقة، تحاول فيها امتصاص الغضب، ودحرجته نحو الزوال. كما أن الإنسان الذي يعي دور عقله في الاهتداء إلى سبل الخير، ويصل إلى كيفية استعمال عقله في الغضب، وكيفية التحكم في الأمر، وإعادة توجيه المشاعر من جديد.

إن الغضب يفقدك قوتك، ويتركك محطمًا لا تدري ماذا تفعل سوى الدخول في النقاش والانفعال وتبديد الطاقة الإيجابية، ولذا كان الغضب قوة هابطة نحو الأسفل. ومن هناك كان عليك إن أردت أن تكون قويًا وشديدًا أن تتحدث اللغة العربية وبطلته.