ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية

tim-foster-moJmTRR7E8U-unsplash
Tim Foster-Unsplash

كانت فاجعة التتار وهمجية المغول من أعظم ما بُلي به المسلمون، ولعل الذين عاشوا محنتها كانوا يظنون فيها نهايةً للإسلام والمسلمين، ورغم المحن فقد بقي الإسلام كالطود الشامخ لم يمسه أحد بشيء إلا قسمه الله تعالى.

وكان لسقوط بغداد أو دخول التتار بلاد المسلمين، أسبابٌ عديدة، منها خيانات أصحاب الملل والنحل والأهواء، ومن هذه المواقف دور الوزيرأبي طالب مؤيد الدين محمد بن أحمد بن علي بن أبي طالب ابن العلقمي البغدادي، وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله آخر خلفاء الدولة العباسية في بغداد. قال عنه السبكي: “كان رافضيًّا في قلبه غلّ على الإسلام وأهله، تولّى الوزارة للخليفة العباسي مدة أربع عشرة سنة، أفشى خلالها الرفض فعارضته السّنة فكبت فتنمر“. وقال عنه ابن الأثير: كانرافضيًّا خبيثًا رديء الطوية على الإسلام وأهله“.

وكان لابن العلقمي موقف مخزٍ؛ إذ سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد كما قال الصفدي، لقد كاتب هولاكو وقوى عزمه على قصد العراق ليتخذ عنده يدًا ويتمكن من أغراضه، بل لقد جرّ هولاكو وقرر معه أمورًا انعكست عليه. ولم تكن سياسة المكاتبة مع التتر هي الأولى في هذا السياق، بل سبقتها خطوات مهدت لها، وكانت بمنزلة الأرضية والمقدمة لما بعدها، فقد اتخذ سياسة خبيثة في إضعاف جيش الخلافة، أسهمت بدورها في دخول التتر بغداد دون مقاومة تذكر؛ إذ اجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان وصرفهم عن إقطاعاتهم قبل مجيء التتار، وقد نجح في ذلك أيضًا، حيث تناقص عدد الجند من مائة ألف تقريبًا أيام المستنصر إلى عشرة آلاف في أواخر أيامه.

وبلغت حالة الجيش وعساكر الخلافة بالذات مبلغًا من الذل والهوان، حتى طلب بعضهم المال في الأسواق وعند أبواب المساجد. فلما تحقق لابن العلقمي ما أراد، كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهّل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال.

وظل يتواصل مع التتار، ويغري الخليفة بقبول الصلح شريطة أخذ نصف الخراج وإعطاء هولاكو النصف الآخر، حتى خرج المستعصم إليه، فوجد إهانات لا حصر لها، وقتل هولاكو أغلب من أخذهم الخليفة معه، وعاد الخليفة إلى بغداد مبعثرًا لا يعرف ماذا يفعل.

ثم أشار ومن معه على هولاكو بعدم مصالحة الخليفة، وقال له: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عامًا أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان قبل ذلك. وحسّنوا له قتله، ويقال إن الوزير ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي هما مَن أشار بقتله، فلم عاد الخليفة إلى هولاكو أمر بقتله.

وقد نُهب من دار الخلافة الذهب والحُلي والأشياء النفيسة، وقد ذكر المؤرخون أن الذي حمل ابن العلقمي على موقفه هذا، أن أبا بكر ابن الخليفة المستعصم والدويدار الصغير قد شدّا على أيدي أهل العرق فوقع على أهل الكرخ من أعوان ابن العلقمي ومؤيديه بلاء عظيم، فحنق لذلك ابن العلقمي وأراد الثأر بسيف التتار، وكاتب هولاكو وطمّعه في العراق. ونقل الذهبي في إطار العلاقات السرية المشبوهة، أنه قد قدِم إلى بغداد رسولان من التتر واجتمعا بابن العلقمي سرًّا.

ودخل التتار وجندهم بغداد، ووقع ما وقع من الظلم والفساد وسفك الدماء وهتك الأعراض، فجاء بجيوش سلبت عنهم النعمة، ونكبت الإمام، وسفكت دماء المسلمين جميعًا دونما تفريق بين أحد، وخابت حسابات ابن العلقمي وقتل أعوانه كغيرهم، وأصبح وحيدًا دون سند، فشعر بالخزي والعار وأن التتار لا عهد لهم. وقد بلغ إذلال التتر له أن جعلوه تابعًا لشخص يدعى ابن عمران الذي كان خادمًا في دولة المستعصم. لعل هذا ما كان سببًا في أن يذهب ضحية أفعاله، فمات بعد دخول التتر بغداد بثلاثة أشهر غمًّا وغبنًا، وهلك في أوائل سنة 657 هـ.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!