خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

ابن رشيق القيرواني: الشاعر والكاتب المُجِيد

هو أبو عليّ الحسن بن رشيق المعروف بالقيرواني، أحد الأفاضل البلغاء، له التصانيف الجيدة، منها: كتاب العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه، وكتاب الأنموذج والرسائل الفائقة والنظم الجيد. قال عنه ابن بسام في كتاب الذخيرة: “بلغني أنه ولد بالمسيلة وتأدب بها قليلاً، ثم ارتحل إلى القيروان سنة 406 هـ. وقال غيره: ولد بالمهدية سنة 390 هـ، وأبوه مملوك رومي من موالي الأزد، وتوفي في سنة 463 هـ. وكانت صنعة أبيه الصياغة في بلدة تسمى المحمدية.

تعلم من أبيه صنعته، وقرأ الأدب في بلدة المحمدية، وقال الشعر، وتاقت نفسه إلى الاستزادة منه وملاقاة أهل الأدب، فرحل إلى القيروان واشتهر بها ومدح صاحبها واتصل بخدمته، إلى أن انتقل إلى جزيرة صقلية، وأقام بمنطقة مازر إلى أن مات. قال عنه ابن خلكان: “ورأيت بخط بعض الفضلاء أنه توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة بمازر “456 هـ”.

ومن تصانيفه: قراضة الذهب، وهو مصنف كبير الفائدة. وله كتاب: الشذوذ في اللغة، يذكر فيه كل كلمة جاءت شاذة في بابها. وكتاب: طراز الأدب. وكتاب: الممادح والمذام. وكتاب: متفق التصحيف. وكتاب تحرير الموازنة، وكتاب الاتصال، وكتاب المن والفداء، وكتاب أرواح الكتب، وكتاب شعراء الكتاب، وكتاب المعونة في الرخص والضرورات، وكتاب الرياحين، وكتاب صدق المدائح وكتاب الأسماء المعربة، وكتاب إثبات المنازعة، وكتاب معالم التاريخ، وكتاب التوسع في مضايق القول، وكتاب الحيلة والاحتراس. وغيرها من تصانيف.

ومن شعر ابن رشيق القيرواني:

أحب أخي وإن أعرضتُ عنه … وقلّ على مسامعه كلامي

ولي في وجهِهِ تقطيب راضٍ … كما قطبتُ في وجه المُدام

وربّ تقطبٍ من غير بغضٍ … وبغضٍ كامنٍ تحت ابتسام

وكان بينه وبين ابن شرف القيرواني مساجلات عديدة، لذا وصنف عدة رسائل في الرد عليه،

منها: رسالة سماها ساجور الكلب، ورسالة نجح المطلب، ورسالة: قطع الأنفاس، ورسالة: نقض الرسالة الشعوذية، والقصيدة الدعية، والرسالة المنقوضة، ورسالة رفع الإشكال ودفع المحال.

قال صلاح الدين الصفدي في مصنفه الوافي بالوفيات واصفًا كثرة مصنفاته وتأليفه بقوله: “وقد وقفت على هذه المصنفات، والرسائل المذكورة جميعها، فوجدتها تدل على تبحره في الأدب، واطلاعه على كلام الناس، ونقله لهذا الفن وتبحره في النقد”.

ومن تعليقات ابن رشيق على بعض مواقف والشعراء ما قاله عن عليّ بن يوسف التونسي الذي كتب قصيدة لمدح المنصور بن محمد، فأهداه بها مائة دينار وأقطعه قرية من نواحي تونس، فعلق ابن رشيق قائلاً: “وكان عليّ يستضعف شعراء عصره، ويهتدم أبياتهم، وربما اصطرفها “أخذها” جملةً واحدة ولا يرى ذلك عيبًا، بل يقول: أنا فرزدق هذه الطبقة، فهو يلتهم كلام الناس. فَعَلَ ذلك بمحمد بن إبراهيم الكموني في بيتٍ اهتدمه من قصيدةٍ له، وهو:

يُلقي شذاه بقلبٍ غيرِ منقلبٍ … وصفحتيه بعطفٍ غير منعطف

فسكت، واصطرف أبياتًا للجُراوي الكاتب، فنازعه إياها، وهجاه بقصيدة أنشدنيها “أي: أنشدها عليه”، لا أعرف منها إلاَّ قوله:

رآك الله تذهب للمعاصي … ففضَّض من أديمك كلَّ مُذْهبْ

وقد أحسن بن رشيق حين قال معللاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا”:

سألت الأرض لم جعلت مصلى … ولم كانت لنا طهرًا وطيبا

فقالت غير ناطقة لأني … حويت لكل إنسان حبيبا

فتخلص بذلك مما وقع فيه غيره من الشعراء، حيث استطاع أن يأتي بعلة مناسبة لا حرج عليه، وجعل ذكرها على لسان الأرض في جواب عن سؤاله. ومما سبق ندرك مكانة ابن رشيق القيرواني باعتباره أديبًا فذًا وكاتبًا مجيدًا، استطاع أن يجمع بين فني الشعر والتصانيف، بجانب النقد والبلاغة والتبحر في علوم اللغة.

 

المراجع:

  • وفيات الأعيان، ابن خلكان.
  • الوافي بالوفيات، صلاح الدين الصفدي.
  • تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر، ابن أبي الأصبع.