خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

احذر زلة العالمِ ولا تبخسه قدرَهُ

ID 72735661 © Blossfeldia | Dreamstime.com

العلماء هم أولياء الله وخاصته من عباده، فهم أكثر الناس خشية لله تعالى، يسيرون بهديه ويستنيرون بضياء كتابه، لكنهم رغم كل هذا بشر يصيبون ويخطئون، وقد عصم الله رسله فقط وما سواهم معرض للسهو والزلل والضعف والتقصير، ومن هنا كان للعلماء بعض الزلات التي يجب الانتباه لها، فخلفهم يقف خلق كثير، وإن زلوا أضاعوا الناس، وإن من أخطر ما تتعرض له الأمة في دينها زلة العالم، لأن العالم قدوة ومحل ثقة الناس، فإذا زلّ فإن الناس يتبعونه في زلته.

فلذلك فإنه من الواجب على أهل العلم وطلابه بيان الزلة إذا حدثت من عالم دون التقليل من قدره، ولا الحط من شأنه، بل يجب الاعتذار له، وغمر زلته في بحر حسناته ومناقبه، فإنه لم يسلم من الخطأ أحد من العلماء، وكثير من مجتهدي السلف وقع فيما يخالف السنة، ولم يقدح ذلك في إمامتهم، وأهل السنة إنما يتبعون الدليل، ويدورون معه حيث دار، ويقتدون بأئمة الهدى، ويقدرون العذر، ولا يتبعونه فيما أخطأ فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفى المسألة نصوص لم تبلغهم”. (الفتاوى- 91/19)

ومما يجب الإشارة إليه هنا أنه قد حدثت زلات عظام من أئمة أعلام، ولم يتابعهم السلف على زلاتهم، ولم يسكتوا عنها، ولم يهدروا حقهم وعلمهم وقدرهم. وفي ذلك قال ابن عباس –رضى لله عنهما- بالمتعة، ثم رجع عنها ويمكن الرجوع في ذلك للمغني لابد قدامة، وكان له قدره قبل ذلك وبعده، وفسر مجاهد المقام المحمود بجلوس النبي صلى الله عليه وسلم مع الله سبحانه على العرش، وأنكر أكثر السلف هذا التفسير، ولم يقدح ذلك في إمامة مجاهد وقدره عندهم.

وقد قال أبو حنيفة بالإرجاء، ولم يوافقه السلف على ذلك، ولم يقدح ذلك بفضله وقدره عند أكثرهم، وهو من هو في إمامته وجلالة قدره، فانغمرت زلته في بحار حسناته. وأسهم سعيد بن جبير في الخروج مع ابن الأشعث على الولاة الظالمين ولم يقره كثير من السلف على فعله، لكنهم عذروه وعرفوا له قدره.

ويلاحظ في هذا الباب أن الذي يقوم بتتبع سقطات العلماء وزلاتهم، ويتصيد عثراتهم، لا يخرج عن أحد ثلاثة لا رابع لهم، وهم: أولاً: أن يكون جاهلاً متعالمًا ومغرورًا، يريد أن يظهر من خلال نقد الآخرين، وتصيد عثراتهم حتى يمدحه الناس بالعلم والفطنة، وهو في ذلك لا يخلص النية لله تعالى، بل يجعل من نفسه وصيًا على العلماء وطلبة العلماء فيترصدهم لشخصهم وليس لعلمهم.

ثانيًا: أن يكون صاحب هوى، يملي عليه هواه وشيطان نفسه أن ينتقص من الأئمة والعلماء وأهل الحق والفضل، ليحول بينهم وبين الأمة، فلا يتم الاقتداء بهم وبسلوكهم، فيقوم بتشويه سمعتهم واللمز عليهم بالتقول عليهم بغير وجه حق.

ثالثًا: أن يكون مبتدعًا، فيجعل أدلته وبراهينه الدالة على بدعته من خلال أخطاء العلماء وعثراتهم غير المقصودة، كمن يستدل بجواز الإرجاء بفعل أبى حنيفة، وعلى جواز التأويل بفعل البيهقي والنووي، وعلى جواز الكلام بفعل المحاسبي أو الأشعري، وعلى جواز المتعة بقول ابن عباس، وعلى جواز الخروج بفعل سعيد بن جبير. أي كل يجوز حسب الحالة التي لا يقاس عليها عند هؤلاء العلماء، بما ينشر البدعة ولا يحيي السنة الصحيحة.

إن العلماء هم ورثة الأنبياء، ولذا فإن فضلهم ومكانتهم يجب أن تلزمنا احترامهم وتقديرهم وعدم محق قدرهم إن ظهر منهم بعض الهفوات، كما يجب الأخذ على أيديهم إلى طريق الحق والهدى.