خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الأدب العربي في عيون المستشرقين

ID 144232331 © Radiokafka | Dreamstime.com

منذ بواكير الاستشراق والغرب يهتم بكل ما صدر عن المسلمين فهم الذين أنشأوا مئات الأقسام العلمية، كما تحتفظ مكتباتهم بألوف المخطوطات في شتى المعارف. وقد ثبت أن بعض الأدباء في الغرب تأثروا بالأدب العربي في عصور ازدهار الأمة الإسلامية. والاهتمام بالأدب العربي في الغرب لا ينبع من ترف فكري ذلك أن دراسة الأدب مهمة لدراسة الشخصية التي أنتجت هذا الأدب وذلك كما قال سمايلوفيتش، فالأدب بالنسبة للعرب: “يعد ديوانها، ويتأمل تاريخها، ويبرز عقليتها، ويمثل انفتاحها، ويدفع بقدمها إلى الأمام… وظل الأدب العربي بشعره ونثره من الأمور التي شغف بها الاستشراق محاولاً إلى معرفة العرب واتجاههم”.

وكما يذكر لنا عاصم حمدان من أن الأدب: “في كل العصور وعند جميع الأمم- هو تعبير عن هوية، أي أمة، ومنطلقاتها الحضارية وإرثها التاريخي، ولهذا كان اهتمام الغربيين كبيرًا بالتراث العربي القديم، لأنه كان تعبيرًا حقيقيًا عن هويتنا الحضارية. ولذلك اعترف أكثر من مستشرق بتأثر الغرب بالأدب العربي القديم ومن هؤلاء على سبيل المثال إديموند بوزوورث”.

ويضيف مبينًا الفارق بين الأدب العربي في عصر ازدهاره وما يمر به في الفترة الحالية بقوله: “إن نقطة الضعف التي يجدها الغرب – اليوم – في أدبنا، هي ترديدنا لبعض نظرياته في الأدب بعد لفظه لها بعشرات السنين ثم هو ترديد لا استيعاب ولا تمثل فيه”. لأن الغرب يرى أن ما أنتجته عقليتهم من مئات السنين لم يعد صالحًا للتطبيق اليوم، في حين أننا أخذنا تلك النظريات وبدأنا نطبقها على آدابنا، فلا نحن أحسنا التطبيق ولا نحن وضعنا أنفسنا طريقنا الخاص، فأنتجنا نوعًا هجينًا لا يمثل نظريات الغرب ولا يعبر عن طبيعة الشرق.

وبات من الواضح اليوم أن الأدب العربي المعاصر قد أهمل من قبل الغربيين والمستشرقين، ويرى البعض أنه: “أهمل وهمّش أو أقصي كليًا من الأدب العالمي”. في حين يرى إدوارد سعيد في المقدمة التي كتبها لكتاب “أيام الغبار” لحليم بركات أن الأدب العربي أصبح من الآداب المحظورة، أي التي لا يلتف إليها، لم يعد الغربيون يرون فيها ما كان يشدهم في عصر الازدهار وخاصة ما بلغهم من أدب في العصر العباسي وبواكير العصر الحديث، حين كانت لنا شخصيتنا المستقلة وطريقتنا التي تخالف الغرب فيما يحويه من آداب, فالمسألة تعتمد على الخصوصية والمغايرة، فإذا كنت تأخذ الصورة الأوروبية وتحاكيها في آدابك فكيف تريد منهم أن يبذلوا جهدًا في بضاعة لا تفيد في شيء.

لكن هناك شيء مهم آخر وراء إهمال المستشرقين للأدب العربي، ألا وهو أنهم يتعصبون لأدبهم على حساب الأدباء الأخرى، بل إن لهم آراء صادمة؛ فهناك من الآراء في اللغة العربية وآدابها ما يدهش المرء في أن تصدر عن دراسات تزعم لنفسها الموضوعية والنزاهة فيرى بعض الغربيين أن اللغة العربية نفسها تقف “عقبة” وأنها “طريق مسدود” وأنها “زخرفة غير واضحة” أو “منمقة” وصعبة كأداة على الترجمة إلى لغة كاللغة الإنجليزية، ويضيفون إن اللغة العربية تمثل ستارًا حديديًا لغويًا أبعدت الغرب عن الثقافة العربية. فهل تلك حجة أم عجز أم كلام مغلوط؟

ورغم ذلك فإن هناك بعض الدوريات التي اعتنت بدراسة الأدب العربي مثل: المجلة الدورية للدراسات العربية Arab Studies Quarterly، ومجلة المختار في دراسات الشرق الأوسط Digest of Middle East Studies، ومجلة آداب الشرق الأوسط “أدبيات”، وغيرها الكثير، غير أن المحصلة النهائية ليست بالشيء الكثير، فمثلاً يزعم ريجيس بلاشير أن الأدب العربي يفتقد عمومًا إلى الإبداع والعبقرية وأن: “الفعالية الأدبية، في أدوار عدة، بل في الأدوار المهمة تظل جماعية بمعزل عن كل خلق فردي حقًا… وعلى الجملة فالأدب العربي– وقد نلحق به آداب الشرق الأدنى- لم يعرف إلاّ في ومضات خاطفة، تلك الحاجة المرهقة الخصبة للتجديد، والتميز، والتعارض”.

والقول السابق يماثله الكثير من أقوال المستشرقين، إذا لا يخلو من التحيز لآدابهم والتعصب لمادتهم، في حين ينكرون بالجملة أي فضل للشعوب الأخرى إما جهلاً أو قصدًا.