خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الألفاظ الموجزة في القرآن الكريم وإعجازها اللغوي

ID 183894097 © Sa83lim | Dreamstime.com

القرآن الكريم هو كلام معجز أوحى الله به إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون بشيرًا ونذيرًا للناس حتى قيام الساعة. ومَن أراد أن يعرف جوامع الكلم ويقف على فضل الإعجاز والحكمة، ويحيط ببلاغة الإشارة إلى الأشياء ويفطن لكفاية الإيجاز، فما عليه إلا أن يتدبر القرآن، وليتأمل علوه على سائر ما سواه، وقد تحدى الله به العرب عامة وقريش خاصة على أن يأتوا ولو بكلمة مثله، فعجزوا عن ذلك. ونقف هنا أمام بعض كلمات كتاب الله المعجزة والموجزة وقفةَ تدبر وتأمل.

يقول الله عز وجل: “إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا” (سورة الأحقاف: 13)، فكلمة “استقاموا”، رغم كونها كلمة واحدة مضافًا إليها واو الجماعة، فإنها تفصح عن الطاعات كلها في الأمر والنهي، ولو أن إنسانًا أطاع الله سبحانه مائة سنة ثم سرق حبة واحدة لخرج بسرقتها عن حد الاستقامة.

ومن ذلك قوله عز وجل: “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (سورة يونس: 62)، فقد ذكر الله تعالى إقبال كل أمر محبوب عليهم وزوال كل مكروه عنهم، ولا شيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف لأن الحزن يتولد من مكروه ماضٍ أو حاضر، والخوف يتولد من مكروه مستقبل فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه بل يتبرم بحياته، كما أن الحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس، كما أن السرور والأمن أقوى أسباب صحتها.

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: “أولئك لهم الأمن وهم مهتدون” (سورة الأنعام: 82)، فالأمن كلمة واحدة تخبر عن خلو سرورهم من الشوائب كلها؛ لأن الأمن إنما هو السلامة من الخوف. والحزن هو الشيء المكروه الأكبر كما ذكرنا آنفًا. فإذا نالوا الأمن بالإطلاق ارتفع الخوف عنهم وارتفع بذلك المكروه وحصل السرور المحبوب.

ومن ذلك قوله تعالى: “أوفو بالعقود” (سورة المائدة: 1)، والناظر هنا يجد أنهما كلمتان جمعتا ما عقده الله على خلقه لنفسه، وما تعاقده الناس فيما بينهم. ومن ذلك قوله سبحانه: “فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين”، فلم يبق من شيء أو مقترح لأحد إلا وقد تضمنته هاتان الكلمتان مع ما فيهما من القرب وشرف اللفظ وحسن المعنى.

ومن ذلك قوله عز وجل: “والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء…” (سورة الحج: 65)، فهذه الكلمات تجمع في طياتها الكثير من المعاني، ومن ركوب السفن ما لا يبلغه الإحصاء. ومن ذلك قوله تعالى: “فاصدع بما تؤمر” (سورة الحجر: 94)، فقد اشتملت الكلمات الثلاث على شرائط الرسالة وشرائعها وأحكامها وحلالها وحرامها في وقت واحد.

ويصف الله تعالى خمر الجنة فيقول: “لا يصدعون عنها ولا ينزفون” (سورة الواقعة: 19)، فهاتان الكلمتان قد أتتا على جميع عيوب الخمر من ذهاب العقل وإحداث الصداع، وقد برأ الله خمر الجنة من ذلك، وأثبت طيب النفوس وقوة الطبع وحصول الفرح.

 ومن ذلك قوله تعالى: “لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم” (سورة المائدة: 66)، وهو كلام يجمع جميع ما يأكله الناس مما تنبته الأرض، فدل ذلك على دقة وصف الخالق وعلى إعجاز كلماته. ومن ذلك قوله عز وجل: “ولهنّ مثل الذي عليهن” (سورة البقرة: 228)، وهو كلام يتضمن جميع ما يجب على الرجال من حسن معاشرة النساء، وصيانتهن والحرص على مصالحهن وجميع ما يجب على الرجال تجاه المرأة من حقوق.

وغير ذلك من كلمات جامعة وموجزة، جمعت بين الأحكام وإيضاح القصد، وبين وصف الشيء والتمثيل عليه مع الإحاطة على معانٍ عدة. وجميع كلام الله سبحانه معجز وإن اختيارنا هنا لتلك الكلمات القرآنية الكريمة يأتي من باب التمثيل وليس الحصر.