خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الأمثال السائرة عن الممالك والملوك

كانت للعرب أمثالهم التي يضربونها لكل شيء من حولهم، وهم مولعون بذلك، فالكلمات تلخص الأفكار وتشكل جزءًا مهمًا من حياتنا، إذ يمكن استدعاء حكمة أو مثل في ظروف محددة، ونجد أن تلك الحكم والأمثال تكون معبرة عما يجيش في صدورنا، وربما لخصت حياة كاملة. والأمثال سهلة الانتشار على ألسنة الناس، كما أنها قليلة المبني كثيرة المعنى والدالة، فهي تعبر عن أشياء ومقاصد عدة في آن واحد. ونقف هنا على بعض الأمثال التي تناقلها العرب عن المُلك والسلطان وأحوال أهله، فمثلاً عندما تقول العرب: الملك عقيم، ندرك من ذلك أن الملك لا يحتاج إلى التنازع ولا يعترف بالقرابات، لأنه لا يجوز أن يكون أداة في أيدي أكثر من شخص وإلا فسدت الأحوال، لذا فهو عقيم لا ولد له.

ومن الأمثلة التي صاغها العرب عن المُلك والسلطان، قولهم: “السلطان يأخذ أخذ الأسد، ويغضب غضب الصبي. مَن عصى السلطان فقد أطاع الشيطان. لا أرحام بين الملوك وبين أحد. جاور ملكًا أو بحرًا. للملوك بدوات. الملك يبقى على الكفر، ولا يبقى على الظلم. سُكر السلطان أشد من سُكر الشراب. شر السلاطين من خافه البريء. السلطان كالنار، إن باعدتها بطل نفعها، وإن قاربتها عظم ضررها. الملوك يؤدبون بالهجران، ولا يعاقبون بالحرمان. إقبال السلطان تعبٌ وفتنة، وإعراضه حسرةٌ ومذلة. صاحب السلطان كراكب الأسد، يهابه الناس، وهو لمركبه أهيب. أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية”. وتقال تلكم الأمثال لإيضاح مكانة السلطان وصفاته التي يتحلى بها.

وقالوا أيضًا: “السلطان سوقٌ، ما نفق فيها جلب إليها. السلطان إذا قال لعماله: هاتوا، فقد قال لهم: خذوا. الناس على دين ملوكهم. من مَلَك استأثر. إذا تغير السلطان تغير الزمان. عفو الملك أبقى للملك. من خدم السلطان خدمه الإخوان. ثلاثةٌ لا أمان لها: البحر، والسلطان، والزمان. ليكن السلطان عندك كالنار، لا تدنو منها إلا عند الحاجة، فإذا اقتبست منها فعلى حذر. أدوم التعب خدمة السلطان. من أكل من مال السلطان زبيبةً أداها تمرةً. من تحسى مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد حين. مثل أصحاب السلطان كقومٍ رقوا جبلاً، ثم وقعوا منه، فكان أبعدهم في المرقى أقربهم إلى التلف. مثل السلطان كالجبل الصعب الذي فيه كل ثمرةٍ طيبة، وكل سبعٍ حطوم، فالارتقاء إليه شديدٌ، والمقام فيه أشد. المال للملوك فريضةٌ، وللرعية نافلة”.

وقالو أن: أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقًا. لأن صاحب السلطان يحمل أعباء كثيرة ويسعى نحو غايات بعيدة، كما أنه يحاسب عن رعيته، لذا فإن عاقبته تكون صعبة إذا لم يكن عادلاً ويعمل وفق مراد الله تعالى. ومن أمثال العرب التي وردت في هذا الباب قولهم: “لا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفسٌ خائفة، وجسمٌ تعبٌ ودينٌ متثلم. إن كان البحر كثير الماء فهو بعيد المهوى. من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح. إذا زادك الملك أنسًا فزده إجلالاً. من صحب السلطان فليصبر على قسوته، كصبر الغواص على ملوحة بحره. الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى”. وإلى غير ذلك من أمثلة كثيرة.

وقد انصبت تلك الأمثلة جميعًا حول ما يجب أن يكون عليه السلطان، وما يجب أن يتوخاه فلا يقع فيه، كما أن بها نصيحة لمن أراد أن يأخذ العظة والعبرة فلا يتقرب لأهل السلطان لحاجة فانية، فقد يعرض المرء نفسه للخيبة والخسران في الدنيا والآخرة بسبب ذلك، كما لا يجب أن يتلاعب الإنسان مع أهل السلطان فيندم على ذلك، فالسلطان عقيم وشره وخيم.

المرجع: 

التمثيل والمحاضرة، أبو منصور الثعالبي.