خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الأندلس الفردوس المفقود

ID 28456565 © Juan Moyano | Dreamstime.com

نشأت في الأندلس بإسبانيا وبعض مناطق البرتغال حضارة إسلامية زاهرة، امتدت قرابة ثمانية قرون، ابتدأت منذ فتح طارق بن زياد، ووصولاً إلى المؤسس عبد الرحمن الداخل وجهوده التي جعلت الأندلس مملكة واحدة في وجه الأعداء، وامتدادًا للأمراء الأقوياء من بني أمية من بعده، حتى مجيء محمد بن أبي عامر آخر من حمى المُلك الأموي الإسلامي في الأندلس، ثم كانت الأحداث التالية كلها تؤكد سنةً بعد أخرى على أن الأندلس تتفتت وتسقط في بئر الطائفية والنزاعات القومية للأقليات العربية هناك.

لقد كانت السنوات الأولى من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، تحمل في طياتها بداية الوباء الخطير الذي تفشى بعد ذلك في الأندلس الإسلامية، ألا وهو سقوط الدولة العامرية “نسبة إلى محمد بن أبي عامر”، فقد كانت آخر الحُكم الرشيد لدولة الأندلس الإسلامية، وقد ظهر منذ ذلك اليوم أن أحفاد عبد الرحمن الداخل من بني أمية، لن يقوموا بحماية الإسلام في الأندلس كسابقيهم. وانقسم الأندلس إلى عدة قوى متصارعة، جزء من البربر الذين هاجروا إليها آملين في الزعامة والسلطة، ومجموعة من الصقالبة الذين كانوا يسيطرون على مقاليد الأمور قبل مجيء سيطرة محمد بن أبي عامر على مقاليد الدولة، ومن ثم قام بإزاحتهم والتخلص منهم، إضافة إلى القبائل العربية وعلى رأسهم “اليمنية” و”القيسية” وما ظهر بينهما من صراع على الحكم طوال الوجود الإسلامي في الأندلس، ثم ما تبقى من بني أمية أو الموالين لهم.

لقد كان الخليط الموجود على الأرض هناك ينذر بكارثة قادمة لا محالة، وخاصة أن تلك القوى جميعًا تناحرت من أجل التملك والسيطرة، وهذا بدوره أعلن سقوط الخلافة الأموية وقيام الدويلات الصغيرة المتناحرة والمصارعة، وجعل لهيب السلطة وحبها وازعًا للقتال والتشرذم والعداوات الطائفية والعصبية، وكأن المسلمين في الأندلس قد خرجوا من رابطة الإسلام وعادوا إلى الجاهلية الأولى، فبدلاً من أن تتحدى القوى للدفاع عن الأرض ضد العدو الرابض ينتظر الفرصة، وجهت السيوف إلى قلب المسلمين في الإمارات الأندلسية، وبدأ الضعف ينخر في جسد الدولة الإسلامية في الأندلس.

لقد ظهرت بعد طول صراع ما يقارب من عشرين دويلة صغيرة في الأندلس، وتنازع عليها البربر والعرب والصقالبة، وتحولت كل مدينة صغيرة إلى دولة، وربما اقتسم شخصان مدينة واحدة لتصبح دولتين، وهذا ما عُرف بعصر ملوك الطوائف، فقد غدا لكل طائفة ملك يحكمهم ويدبر أمرهم بمعزل عن الطوائف الأخرى، ومن هنا بدأت تظهر أمور لم تكن في الحسبان، ألا وهي: النزاعات الداخلية بين المدن والدويلات الناشئة، مما مهد لأمر خطير كان سببًا مباشرًا لسقوط الأندلس فيما بعد، ألا وهو الاتصال بالعدو واستنصاره على المسلمين من أبناء المدن الأخرى.

ومع مرور السنوات أخذ الفردوس الأندلسي والحلم الكبير يضيع من بين يدي الأندلسيين من العرب والمسلمين، وتكتلت القوى المعادية في نزاعات سُميت بحروب الاسترداد، وبدأت الحملات تشن من كل حدب وصوب، وفرض ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون على بعض الإمارات الإسلامية في الأندلس الجزية والإتاوات التي يأخذها منهم كل عام فيقوى بها عليهم، وأظهر لهم أنه يحمي الإسلام والمسلمين في جزيرة الأندلس، وبدأ يتوسع يومًا وراء آخر، حتى امتلك طليطلة في عام 478 هــ/ 1085 م. فكانت تلك ضربة قاسمة عانى منها المسلمون في الأندلس بعد ذلك، وقد أدرك المعتمد بن عباد أكثر ملوك الأندلس ملكًا وثراء، أن ألفونسو قادم إلى كل الممالك للالتهام الكامل، فقرر الاستعانة بالمرابطين من عدوة المغرب.

وحين وصل المرابطون استطاعوا بالفعل في وقف زحف ألفونسو على الممالك الإسلامية في الأندلس، واستطاعوا استرداد المدن، لكن بقى الحال على ما هو عليه من فرقة الأندلسيين وتشتتهم، ولم يتحسن الوضع أيام الموحدين، لقد اعتادوا على اكتساب النصر من خلال الآخرين. ولقد فشلوا أن يبنوا قوة موحدة تستطيع أن تغزو وتدافع عنهم في آن كما كان الحال سابقًا. وفي عام 897 هـ= 1542 م، سقطت غرناطة آخر ممالك الإسلام في الأندلس، وطرد المسلمون منها ونكل بهم، وأضحت الأندلس من يومها الفردوس المفقود.