خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الإحسان ودوره في حياة الفرد والمجتمعات

ID 130247647 © Sarayut Thaneerat | Dreamstime.com
ID 130247647 © Sarayut Thaneerat | Dreamstime.com

يتحدث العلماء التربويون والاجتماعيون عن مسألة الأمان الاجتماعي، ويضعون لها نظريات كثيرة، ويشغلون حيزًا من الوسط العلمي الذي نحيا فيه، ونرى الضجيج هنا وهناك، غير أنهم لم يفكروا في الرجوع إلى المورد الأصيل للأمان الاجتماعي والضمان الأكيد لحل مشاكل المجتمعات الإسلامية، وبدلاً من الرجوع إلى الشريعة الإسلامية وتسليط الضوء على الأمور التي تعين في ذلك، ذهبوا إلى النظرية الغربية البعيدة عن ديننا والتي فيها ما يعارض أصول شريعتنا، فضاعوا وأضاعوا، وظلت نظرياتهم جوفاء بعيدة عن الواقع.

لم يرجع هؤلاء الاجتماعيون إلى الإحسان وأثره على الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي، فيعرفون أنه الضمان الأكيد لتلك المجتمعات. ويعرف الإحسان بأنه شدة مراقبة الله عز وجل ابتغاء ثوابه وأمن عقابه، وهو أنواع شتى فهناك الإحسان مع الله تعالى باتباع أمره واجتناب نهيه، والإحسان إلى الفقراء والمساكين ببذل الخير والإنفاق عليهم، والإحسان إلى الوالدين بطاعتهما وخدمتهما وإكرامهما في حياتهما ومماتهما.

والإحسان في أساسه مراقبة لله عز وجل، فالإنسان المحسن يكون على درجة من الخوف من الأهل، فيسعى إلى الخير ويترك مسالك الشر ابتغاء وجه الله تعالى. ومن أوجه الإحسان التي تساعد على ترابط المجتمعات، الإحسان إلى الجار، فيحسن الإنسان المسلم إلى جاره ويعمل إكرامهم وتقدم يد العون لهم، فتنشأ حالة إنسانية جميلة وتعمر القلوب بالخير، وهناك من الأحاديث الكثيرة الدالة على الإحسان إلى الجار وتحمل أذاه، والصبر على ما يفعل، ونصحه باللين.

ومن سُبل الإحسان الاجتماعي أيضًا صلة الأرحام، وهي باب عظيم لتآلف القلوب وصفائها، بمتابعة الزيارة والتواصل والتقارب بين الأهل من حين إلى آخر، ولذا فإن صلة الرحم من أكثر الأمور التي تجلب الخير على الفرد، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه، وأن يُنْسأ له أثرهالزيادة في العمر، فليصل رحمه“. وقال أيضًا: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيَصِل رحمهرواه البخاري. وقد دل ذلك على أن صلة الرحم من الأمور الواجبة في الإسلام وأنها حصن لثبات المجتمعات والأفراد، فالإنسان الذي يصل رحمه ويتابع أقاربه ويتعهدهم بالخير والإنفاق والمساعدة، يعمل على تماسك المجتمع وترابطه وانسجامه.

ومن مظاهر الإحسان التي تعود على الفرد بالخير والفلاح، الإحسان إلى النفس، فلا يجعلها تأتي محرمًا ولا معصية، ويريحها بطاعة الله وكسب رضاه سبحانه، ولا يدخلها دائرة الهلاك والمعصية، أو يشتتها فكريًا أو عقديًا ولكنه يلتزم الطريق المستقيم، فتغدو النفس مشرقة مطمئنة، فلكل نفس عملها من خير أو شر، يقول الله تعالى: “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا” (سورة الإسراء : 7). فكل نفس تأخذ عملها، والإحسان إلى النفس يكون بتزكيتها عن شرور الأعمال وارتكاب المحرمات، أما من أساء إلى نفسه وأتبع نفسه هواها، فذلك يعود عليه في الآخرة بالوبال، وفي الدنيا بتنغيص العيش.

ومن وجه الإحسان الاجتماعية، الإحسان في القول والعمل، فلا تؤذي أحدًا بقول من الأقوال أو فعل من الأفعال، بما يجعل المجتمع المسلم خاليًا من الشقاق والفرقة والمشاحنات، ويجعل القلوب مليئة بالخير والرحمة، والألسنة مليئة بالذكر والكلمات الحسنة. وقد وعد الله المحسنين أجر عظيمًا، فجعل الجزاء من جنس العمل، فقال: “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ” (سورة الرحمن: 60)، وقال أيضًا: “وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (سورة البقرة: 195).

إن الإحسان مهم لحياة الأفراد والجماعات، فالفرد من خلاله يصبح عمله طيبًا وقوله سديدًا، فيراقب الله في عمله ويقدم الخير راجيًا الثواب. أما المجتمعات فإنها تغدو مترابطة متماسكة تشعر بالأمان الاجتماعي والرعاية، فتصفو القلوب وتتقارب الأنفس، فتسلم تلك المجتمعات من منغصات العيش والملمات وتحيا وفق ما أراد الله.