خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الإدمان وسيلة لتدمير الذات

morteza-f-shojaei-pRw4KHN_T1U-unsplash
Morteza F. Shojaei-Unsplash

يشكل الإدمان واحدًا من أخطر الأمراض والمهلكات التي تؤثر على مجتمعاتنا وتهدد بهدم أركانها، وذلك ناتج من تأثيره السلبي، وما يمثله من جريمة نكراء في حق النفس وحق المجتمع. لقد استشرى بين فئة الشباب، والذين يعدون مخزون الأمة وطاقتها ومَن أصبحوا في مرحلة الجد والعمل والاجتهاد. إنها الأزمة الخطيرة التي تخنق الأمة وتمس دينها وخلقها، وتهدد الأمن الاجتماعي والسلامة النفسية لأبنائها.

تتمثل مشكلة الإدمان في المسلك الذي ينجر إليه الشباب، فهو أول خطوة في طريق إهلاك الذات وتدميرها، تبدأ الرحلة بالصداقة السيئة التي لا تترك الشباب إلا جثة هامدة أو جثة حية لا يرجى منها إلا الأكل والشراب، لقد ماتت الأفكار، وأصبح العمل بعيدًا عن أي تفكير، يقول الشباب لصديقه خذ هذه السيجارة وسترى ما سيحدث لك، يزين له العمل مثل الشيطان تمامًا، ثم بعد ذلك تبدأ مرحلة جيدة من عدم التراجع، فقد بدأت الرحلة التي لا يُرف لها نهاية.

في البداية يكون الشباب بحاجة إلى المال، وعندما يطلبه من أبويه فإنهما لا يتأخران، فلا علم لهما بما يفعل، ورويدًا رويدًا يدخل المدمن في حالة يشعر بها كل من حوله ولكنه قد أصيب بالمرض ولا يود التراجع وتلاقي العلاج اللازم، وهنا تبدأ مشاكل الأسرة في الظهور، فكل الأموال يتم إنفاقها على المواد المخدرة بمختلف أنواعها.

إذا كان المدمن متزوجًا يمكن له أن يفعل أي شيء في سبيل الحصول على المال، لكنه في الوقت عينه لا يترك لأسرته شيئًا للإنفاق، فتظهر المشكلة الاجتماعية المدمرة للأسرة من خلال تلك الظاهرة الخطيرة، فيتشرد الأطفال، وقد تطلب الزوجة الطلاق، وتتفرق الأسرة. وإذا كان المدمن طالبًا ضاعت دروسه ومرة وراء أخرى يتسرب من التعليم، وتضيع أحلامه العلمية ويصبح خاملاً لا حراك له.

إن الإدمان يجعل الشخص مغيبًا لا يدري شيئًا عن واقعه ومجتمعه الذي يحيا فيه، وبذلك يكون مجرد عدد سلبي في المجتمع، ولا يحتسب ضمن الفئات النشطة أو التي تجتهد لرفعة الأمة والمجتمع الذي تحيا فيه. كما أن الأموال التي يتم إنفاقها على تلك المنكرات يمكن أن تفيد المجتمعات والأسر وتكون سبيلاً لرفعة المجتمع اقتصاديًا، ولم تم إنفاقها فيما يرضي الله لكانت باب خير وبركة.

إن الإدمان يعد إهلاكًا للذات الفرية والمجتمع في آن واحدًا، فمن خلاله يضيع الفرد ويسقط في بئر عميقة لا نجاة منها، أما المجتمع فيصاب ببعض الأمراض الأخرى الأكثر فتكًا والناتجة عن الإدمان، إذ تزيد معدلات الجريمة، فالمناطق الأكثر إدمانًا هي الأكثر جريمة في العالم، وهذا أمر واضح إذ إن الموضوع متعلق بمسألة تغييب الوعي، فإذا غُيب الوعي وانعدم التفكير ارتكب الإنسان أبشع الجرائم دون أن يجد وازعًا يردعه. وتأتي مشكلة تفكك الأسر ضمن تلك المشكلات التي يخلفها الإدمان، فالأسرة لا يمكن أن تعيش دون ربّ أسرة مدبر يقوم على أمرها، أما أن يكون رب الأسرة مدمنًا لا يعي ما يقول، فإنه يقع في الحلف والطلاق كثيرًا ويهين زوجته إن أبدت اعتراضًا بسيطًا ومن هنا تكثر المشكلات، وفي الأحوال يحث الطلاق، ويتشرد العيال.

ما الذي يجنيه المدمن سوى أن نفسه التي بين جنبيه أصبحت ضائعة منه ولا تَمُتُ له بصلة من الصلات، إنه غريب عنها، وغريب عن بيئته، لا يستطيع النجاح في أي مشروع يدخله، ولم يجنِ سوى الخيبات والفشل، لقد أصبح عالقًا لا يستطيع التأقلم مع المجتمع، أو التناغم مع ذاته، وقد يصل الأمر في النهاية إلى الانتحار عياذًا بالله من ذلك.

يبقى الحل الأخير أمام المدمن ليحفظ ذاته من الدمار والخراب، في أن يعود ويتوب إلى الله أولاً ثم يتوجّه إلى أحد المراكز الخاصة بعلاج المدمنين، ليجد بعد ذلك الطريق أمام مفتوحًا للحياة من جديد.