الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم

قرآن 17 Jumada Al Oula 1442 AH Contributor
الإعجاز البلاغي في القرآن

الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم هو باب من أبواب القرآن الزاخرة، سمة ميزت كتاب الله وخصيصة وضعها الله فيه كي يكون معجزًا وذا أبعاد راسخة من التحدي والإقناع والاستمرارية.

الإعجاز البلاغي في القرآن معجزة الرسول

عندما نتأمل القرآن الكريم ونمعن النظر في آياته سنتعرف على الإعجاز البلاغي والبيان الذي حفلت به آياته. وأصل معجزة القرآن الكريم الإعجاز البلاغي كما ذهب إلى ذلك كثير من العلماء. ذلك أن الله تعالى قد أيد كل نبي بمعجزة من جنس ما نبغ فيه قومه.

حيث أيد موسى عليه السلام بمعجزة العصا وتحولها إلى ثعبان عظيم، لأن قومه قد نبغوا في السحر وفنونه وأضرابه. وأيد عيسى عليه السلام بمعجزات كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى لأن قومه قد نبغوا في الطب وفنونه.

وأيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم وهو المعجزة الكبرى له. لأن قومه قد نبغوا في البلاغة والبيان. ومن المعلوم أن العرب أرباب البلاغة وأساطين الفصاحة.

وعلة ذلك أنه كلما كانت المعجزة من جنس ما نبغ فيه القوم كان ذلك أقطع لحجتهم وإلزامهم بضرورة التصديق. لأنه جاء بمعجزة من نوع الأمور التي يحسنونها لكنهم عجزوا عن معارضتها أو إبطالها أو الإتيان بمثلها.

يأتي الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم ليعلن بشكل قاطع أن القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن أنكر ذلك فعليه أن يأتي بمثله أو ببعض سوره أو حتى سورة واحدة.

القرآن وروح التحدي 

وقد جاء هذا التحدي في القرآن الكريم حيث تحدى الله تعالى المكذبين للقرآن أن يأتوا بعشر سور مثله فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ  قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (هود:13).

ومعنى الآية الكريمة أن الله تعالى ينعي على المشركين تكذيبهم وعنادهم وزعمهم أن النبي يفتري هذا القرآن من تلقاء نفسه. فيرد الله عليهم ويقول إن كان الأمر على هذا النحو. فلماذا لا تأتون بعشر سور مثله فقط وتفترونها من عند أنفسكم إن كنتم صادقين في زعمكم. وقطعًا ما كان لهم أن يفعلوا ذلك لأن القرآن ليس كلام النبي إنما هو كلام الرب الأعلى سبحانه وتعالى.

العجز عن الإتيان بسورة منه

وفي استمرار لبيان عظمة الإعجاز البلاغي في القرآن فإن الله تعالى قد تحدى المشركين أن يأتوا بسورة واحدة من مثل القرآن. ذلك أنهم عجزوا أن يأتوا بعشر سور فقال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا. فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة:23).

وكما عجز المكذبون عن الإتيان بعشر سور مثل سور القرآن، فإنهم قد عجزوا أيضًا عن الإتيان بسورة واحدة. والآية تتحدى المشركين تحديًا شديدًا وتدعوهم دعوة صريحة إلى أن يجمعوا كل ما يقدرون عليه من أجل أن يأتوا بسورة من مثل القرآن لكنهم عجزوا أيضًا عن هذا التحدي.

وقد حسم القرآن الكريم القضية من جذورها. فأكد أن الإنس والجن والأولين والآخرين لو اجتمعوا فيما بينهم على أن يأتوا بمثل القرآن. فلن يتمكنوا من ذلك بحال من الأحوال قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء:88)

وهذه الآية واضحة في أن العجز هو المصير المحتوم لكل من ينكر القرآن الكريم. ذلك أنه لن يستطيع أن يأتي بسورة من مثله، ولو اجتمعت الآن في عصرنا كبرى الجامعات العالمية المتخصصة في اللغة العربية. بما فيها من كبار البلاغيين وأهل الفصاحة والبيان فإنهم لن يتمكنوا من أن يحققوا التحدي المذكور في الآية بحال من الأحوال.

إبهار الإعجاز البلاغي في القرآن لأرباب الفصحاحة

لقد أبهر الإعجاز البلاغي فصحاء مكة وأرباب البيان، فيها وهم الذين نشأوا على البلاغة وتشربتها قلوبهم وعقولهم كما يشرب أحدنا الماء. ولذلك فقد أقروا وأذعنوا بأن الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم لا يمكن لأحد أن يباريه أو يضاهيه.

ولما استمع الوليد بن المغيرة إلى القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم. وكان الوليد من أفصح العرب وأعلمهم بالشعر والنثر أذعن وقال لقريش ينبههم للحقيقة التي يحاولون إنكارها.

“والله مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي. وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ. وَاللهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا. والله إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطُلَاوَةً وَإِنَّه لمُثمِر أعْلاه. مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَا، وَأَنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ” (أخرجه البيهقي).

وهذا القول من الوليد بن المغيرة له مكانته ومنزلته. ذلك أنه قد قال ذلك وهو من المشركين والحق ما شهدت به الأعداء، وهو حق يشهد بعظمة الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم.

لقد ملك القرآن الكريم قلوب المسلمين بما حواه من آيات عظيمة مليئة بالإعجاز البلاغي. بل إن الأمر قد تجاوز ذلك إلى الدرجة التي جعلت المشركين يسترقون السمع من أجل سماع بعض الآيات من القرآن الكريم. وقد ثبت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق كانوا يتسللون ليلًا ويستمعون القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم.

ولعل هذا يؤكد أن الإعجاز البلاغي قد ملك قلوب هؤلاء المكذبين. ومع ذلك فإنهم لم يستطيعوا التخلص من كبرهم وعنادهم قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ  فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}(الأنعام:33).

 أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين

وإذا أردنا أن نذكر بعض الأمثلة على الإعجاز البياني فيمكننا القول إن كل آية من القرآن الكريم. بل كل كلمة من كلماته تشكل إعجازًا يقف أمامه أهل البلاغة بالانبهار والإعجاب.

ومن الآيات التي حوت إعجازًا بلاغيًا قوله تعالى:{ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ  فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي  إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}(القصص:7). وقد اشتملت هذه الآية على أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.

أما الأمران فهما أرضعيه وألقيه، وأما النهيان فهما لا تخافي ولا تحزني. وأما البشارتان فهما رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، وأما الخبران فهما أوحينا وخفت، ولا يخفى أن الآية حوت أوجه البلاغة والفصاحة.

مثال آخر

ومن الآيات التي بينت أوجه الإعجاز البلاغي قوله تعالى:{ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ  وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}(الشعراء:78-81)

ويلاحظ في الآيات السابقة أن كلمة هو قد استعملت مع الهداية والطعام والسقي والشفاء ولم تستعمل مع الإحياء والإماتة. لأن غرض ذكر الكلمة التأكيد ولا حاجة للتأكيد على أن الله هو المحي والمميت. لأن هذا من الأمور المقررة عند الناس جميعًا ولا يجادل في ذلك إلا من لا حظ له من العقل والفهم.

ويلاحظ أيضًا أن الآية تذكر على لسان إبراهيم عليه السلام. وأنه قد نسب الخلق والهداية والطعام والشراب والشفاء والإماتة والإحياء لله تعالى. لكن لما جاء ذكر المرض قال وإذا مرضت وكان السياق أن يقول وإذا أمرضني. لكنه نسب المرض لنفسه تأدبًا مع الله تعالى ومن المقرر أن الشر لا ينسب إلى الله تعالى وإن كان هو خالقه وقد جاء في الأثر والشر ليس إليك.

إن ما سبق يؤكد دلالة قاطعة على أن الإعجاز البلاغي من الأمور الثابتة في القرآن الكريم. ويؤكد أيضًا أن كل آيات القرآن الكريم تحمل هذا النوع من الإعجاز الذي لا يملك الفصحاء والبلغاء إلا الإذعان والإقرار له.

 

المراجع

الإتقان في علوم القرآن: السيوطي.

مناهل العرفان في علوم القرآن: محمد عبد العظيم الزرقاني.

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية