خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

تفسير قوله تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين”

dreamstime_s_3202641

نناقش في هذه المقال جزئية الإكراه في الدين ، حيث نلقي الضوء تفسيريا على قوله  تعالى:

{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(البقرة: 256).

هذه الآية من الآيات المدنية التي نزلت بعد الهجرة النبوية وقد تناولت الآية بعض الأحكام المهمة المتعلقة بالاعتقاد ومنهج الإسلام في التعامل مع قضية الإكراه في الدين.

الإكراه في الدين

ومعنى قوله تعالى: لا إكراه في الدين: أي لا تكرهوا ولا تجبروا أحدًا على اعتناق الإسلام، وسبب دعوة الإسلام إلى عدم إكراه أحد في الدين، أن الإسلام دين واضح جلي لا خفاء فيه بحال من الأحوال، وعادة ما يكون الإكراه في الأشياء الخفية التي  يخشى أصحابها إظهارها أو تعرف الناس عليها.

والمقصود بالرشد في الآية: الاستقامة على طريق الحق والهدى دون الميل أو الانحراف إلى طريق الغي، والغي هو ضد الرشد ومعناه الضلال في المعتقد.

ثم تناولت الآية بعد ذلك قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد تعرف بالتخلية قبل التحلية، فحتى يكون الإنسان مسلمًا مؤمنًا بالله تعالى، فلا بد أن يُخلي قلبه من كل معبود، وأن يجعل معبوده الوحيد هو الله تعالى.

ما هو الطاغوت

والطاغوت اسم عام يشمل كل ما يطغي الإنسان ويضله وهو أيضًا يشمل كل ما عبد من دون الله كالأصنام والأوثان والشياطين.

وقد بينت الآية بعد ذلك أن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى هو في حقيقته استمساك عظيم بالعروة الوثقي، وأصل العروة ما يتعلق بالشيء، والوثقى: هي الشيء محكم التوثيق، والمعنى أن الإنسان إذا خلع عبادة الطاغون وآمن بالله وحده وتوجه إليه بالعبادة، فإنه يكون قد وصل إلى مرتبة الثبات والاستقامة على الطريقة المثلى التي لا انقطاع ولا انفصام لها، لأنها طريقة الحق والصراط المستقيم.

لقد وردت عدة آيات في القرآن تؤيد هذه الآية من ذلك قوله تعالى:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }(يونس:99)

ومعنى الآية أن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يؤمن أهل الأرض جميعًا لتحققت تلك الإرادة، لذا فإن الإكراه على الدين ليس حلًا للقضية، لأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان للاختبار واختيار الطريق الذي يسلكه ومن ثّم يحاسب على أفعاله في حياته الدنيا يوم القيامة.

إن تأصيل الإسلام لقضية منع الإكراه في الدين من الأمور العظيمة التي تدل على سماحة الإسلام وعظمته، كما أن بها الكثير من الحكم والغايات، فالإكراه في الدين لا يخرج مؤمنين صادقين، لذلك فإن الناس لو دخلوا في الإسلام عن طريق الإكراه، فإنهم ربما يتركونه مع أول فرصة لذلك، وربما ينصرون أعدائه، ومن هنا يقرر الإسلام أن الاعتقاد الصحيح ما تواطأ عليه القلب والعقل، فأي اعتقاد بدون تصديق قلبي واقتناع عقلي لا قيمة له على الإطلاق، لذا كان المنافقون أشد خطرًا من الكفار الأصليين، بسبب أنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر.

فضيلة الإسلام

وقد أظهرت الآية فضيلة عظيمة للإسلام وهي أنه دين واضح لا يحتاج إلى إكراه، وربما لا تنكر بعض الأديان الأخرى الإكراه لضعفها وعدم وضوحها وسعيها إلى تكثير أعداد أتباعها بأي طريقة كانت.

ومن تتبع أحداث التاريخ تأكد أن كثيرًا من الأديان قد فرضت عن طريق القوة العسكرية، أو الوعد والوعيد، أو استغلال حاجات الناس، أما الإسلام فلم يثبت عنه أنه قد اعتمد الإكراه لإجبار الناس على الدخول فيه، ودليل ذلك أننا نجد كثيرًا من البلاد قد دخلت الإسلام دون أن يتجه المسلمون لفتحها، وهذا يؤكد القوة الذاتية للإسلام.

والمعنى الإجمالي في الآية: أن الإسلام يرفض منهج الإكراه في الاعتقاد لأنه دين واضح لا يحتاج لذلك، كما أن الإنسان إذا كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد تمسك بالصراط المستقيم، والله سبحانه وتعالى سميع عليم لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يعلم خفايا القلوب وما تكنه الصدور.