الإنسان بين المادة والروح: رؤية تأصيلية

فلسفة 27 Rajab 1442 AH Contributor
الإنسان بين المادة والروح
Photo by Alexandr Podvalny from Pexels

الإنسان بين المادة والروح أحد المسائل الفلسفية التي أخذت حيزًا كبيرًا من الفكر الفلسفي قديمًا وحديثًا. وتعددت وجهات النظر ما بين مدارس فكرية تنحو بالإنسان منحى المادية، ومدارس أخرى تنحو به نحو الروحية. دون اعتبار للمتطلبات المادية، وعند إمعان النظر في حقيقة الإنسان سنتأكد أن النظرية الإسلامية هي النظرية الوحيدة التي استطاعت أن تفسر طبيعة الإنسان. وأن تحدد بدقة الإجابات المتعلقة بالمسألة المشهورة الإنسان بين المادة والروح.

هل المادة تناقض الروح؟

من الأخطاء المشهورة تصور أن المادة تناقض الروح في ما يتعلق بالإنسان. ذلك أن البعض قد يعتقد أن معنى كون الإنسان كائنًا ماديًا أنه لا علاقة له بالروح. وهناك من تناولوا الإنسان على اعتبار أنه مكون من روح فقط وأهملوا متطلباته المادية التي لا يمكن لحياته أن تسير على نظام قديم بدونها. ولذلك فإن النظريات الفلسفية التي تناولت العلاقة بين المادة والروح، قد افتعلت صراعًا لا وجود له بين هذين الأمرين. وقد جاء ليقضي على هذا الصراع ويؤكد أن العلاقة بينهما وثيقة. وأنهما لازمان لتحقيق الإنسان الغاية التي خلقه الله من أجلها.

ينطلق منهج الإسلام في التعامل مع مسألة المادة والروح. من خلال حقيقة مفادها أن الإنسان له متطلبات مادية لا يمكن إهمالها قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ  ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } (آل عمران:14).

وقد أكدت هذه الآية أن الإنسان له متطلبات مادية فهو يحب بعض الأمور. كحبه للنساء والمال والذهب والفضة وغير ذلك من متع الحياة الدنيا. لكن الآية قد أكدت أيضًا أن هذه المتع لا ينبغي أن تشغل الإنسان عن الحقيقة التي خلق من أجلها. وعليه أن يعلم أن متع الدنيا إلى زوال وفناء بينما تبقى الدار الآخرة وما فيها من نعيم. هي الدار الحقيقية التي يجب على الجميع أن يسعى إلى الظفر والفوز فيها.

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة أن الإنسان بين المادة والروح ولا يمكن إهمال جانب والاهتمام بآخر من خلال عدة أحاديث. منها ما روي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: “جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم تقالوها -أي رأوها قليلة بالنسبة لما ينبغي لهم-. فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟.

قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا؛ وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر؛ وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم فقال: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا, أما -والله- إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر. وأصلي وأرقد. وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني”(رواه البخاري ومسلم). والحديث يؤكد بشكل قاطع أن الإغراق في إهمال متطلبات الجسد. كفيل بإهلاك الإنسان وهو أيضًا من الأمور التي تخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان ما سبق يؤكد قيمة المادة فإن الإسلام أيضًا لم يغفل الروح. فهي الركن الثاني الذي به قوام سعادة الإنسان. الذي خلقه الله ونفخ فيه من روحه قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } (سورة الحجر:28-29).

الإنسان بين المادة والروح حقيقة أكد عليها الإسلام ولعل قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ  وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا  وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ  وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ  إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:77). قد أوضح فلسفة الإسلام في تعامله مع الإنسان باعتباره مادة وروحًا.

 

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية والتاريخية