خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

محمد علاء يكتب: الحكم الخفية وراء الابتلاء

dreamstime_s_118144125

الابتلاء هو أساس الحياة، إنها مجرد اختبار، وليس غير ذلك مهما كان الإنسان في أوج سعادته وملكه، ونفوذه وصحته، وقوته، ومهما كان في أشد محنة، ومرض وفقر وضعف، فكل من يظن أنه خال من تلك الابتلاءات بعيدا عنها فهو مخطأ؛ فالكل أيا كانت حياته فهو في خضم اختبار وعليه أن ينتبه الي ذلك، ولكن ماذا عن المؤمنين بالله العارفين به وبقدرته وبحكمته.

العمل بما أنزل الله

في الحقيقة نحن المسلمون مؤمنون أشد الإيمان بحكمة الله وبقدرته، وليس لنا إلا العمل بما أنزل إلينا، وإتباع سنة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فلحكمة الابتلاء والبلاء غاية وهدف وأي شيء أيا كانت توابعه ومصائبه فهو كما قلت مسبقا اختبار للنفوس، وأيضا ردع للنفوس.

يقول تعالى:

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) الحج/11.

كما نرى النفوس ها هنا تتفاوت درجاتها مع البلاء، وتغربل وتظهر على حقيقتها، وتختار ما تريد وتعبر عن ذاتها وضميرها، فهناك من يريد الله وهناك من يريد هواه.

الابتلاء والدعاء

ونحن المسلمون في أشد لحظات البلاء والابتلاء ندعو الله ونحمده ونستغيث به من الضر والفتن، ونعلم أن هذا الابتلاء قد يرفع أحد الي مراتب المؤمنين الصابرين، وقد يخفض أحد الي مراتب الخاسرين الهالكين، لأن النفوس كما قلت تظهر على طبيعتها، فهناك الذي يتمسك بالله ويقوي إيمانه به، وهناك الذي يهرب إلي الدنيا طامعا في رحمتها.

قال الفضيل بن عياض: “الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه”.

وأيضا الابتلاء يذكر النفوس بذنوبها حتى تتوب عنها، فليس عيبا أن يعود الإنسان مستغفرا لربه، باكيا إليه مستنكرا علي ما كسبه من ذنوب راجيا رحمته أن تنزل عليه ويغيثه مما فيه، ويقول سبحانه:

(وَمَا أَصابَكُم من مصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ) الشورى/30 .

إن هذا النكد الذي يطبق علي الصدور ويثير الذعر والقلق لهو مرتبة أدني من العذاب ولهو ردع ودفع، ردع للنفوس الطاغية، وكشف لحقائق الدنيا وتفاهتها وغرورها، ورفع لحقائق المؤمنين بصبرهم وتمسكهم بربهم ذو القوة المتين، يقول الله تعالى يقول: (وَلَنُذِيقَنهُم منَ العَذَابِ الأدنَى دُونَ العَذَابِ الأكبَرِ لَعَلهُم يَرجِعُونَ) السجدة/21 .

كورونا كابتلاء

فعندما نرى مثلا هذا الوباء الذي تفشى بين الناس، سبب الذعر والقلق، وأثر علي اقتصاد أعتى الشعوب ،وأقلق أقوى البلاد سلاحا وعتادا وعلما، وجعل الناس يخشون منه، فإذا تأملنا طبيعة هذا الفيروس، فهو حجم لا يذكر أمام قوة دبابة أو طائرة أو صاروخ نووي مثلا، ولكن مع هذا ينتشر ويأخذ طريقه إلي الناس، ولا يفرق بين غني أو فقير، رئيس أو مرؤوس، قوي أو ضعيف، فلا يمكن أن يخشى أن يصيب أظلم الناس، أو أقواهم نفوذا أو سلطة، فهو لا يفرق علي الإطلاق.

ومن تلك المشاهد التي نراها أن أبتعد الناس الأسواق والتزموا بيوتهم، ودور العبادة خلت من أهلها، والناس أصبحت في قلق دائم من أين يأتي هذا الوباء، وما علينا إلا الدعاء طالبين الرحمة والمغفرة، وأن تنتفض النفوس لربها وتعلم أن الحياة زائلة فانية لا نأخذ منها إلي مشقة وكبد.

ولنتعلم ولتعلم أن الله وحده القادر علي رفع البلاء، وأن التدخل الإلهي يكون عندنا تنقلب موازيين الدنيا، وتخالف سنن العدل الإلهي، وتسوء النفوس، ولنعلم أن من اتبع هدى الله لا يضل ولا يشقى، فعندما نرفع أناس الي أعالي النجوم وهم تافهون، وننزل بأهل العلم والدين إلي الأرض ونجعل التفاهة نفعا وقيمة، ونهجر الحق والعدل ،ونتبع السوء فنحن هنا نضل السبيل الوحيد الذي فيه النجاة، إلي سبيل كله مهالك وأوجاع، فكما نرى الآن نحن بحاجة إلي أطباء وعلماء، نحتاج متخصصون في الطب والصيدلة، نحتاج إلي علماء في الأحياء وعلوم الأوبئة، ولا نحتاج إلي لاعبي كرة أو ممثلين أو مطربين.

أما التعامل مع هذا الوباء يكون بعلم وبعمل، وبعقل وبحكمة، وقبل كل هذا بدعاء الله ولطفه، وأن يأخذ الناس كل أسباب الوقاية طالما تعيش، فتلك سنة الحياة التقلب ما بين يوم راحة وصحة، وما بين يوم قلق ومرض، ولنستعن بالله أن يرفع عنا البلاء والوباء.

بقلم:

محمد علاء الدين