خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد
رأي 2020-يوليو-10

الاستعارة ودلالتها البلاغية عند عند عبد القاهر الجرجاني

صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

يعد عبد القاهر الجرجاني من علماء اللغة أصحاب البصمة، وممن يمتلكون نظرة تحليلية ثاقبة، قلما يجود الزمان بمثلها، فقد استطاع في كتابيه الأثيرين: أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، أن يطرح رؤيته البلاغية والنقدية المتفردة، وأن يقدم تنظيرًا فريدًا ما زالت آثاره حاضرة إلى اليوم، بل إن بعض المتبحرين في الدراسات البلاغية القديمة لا يتركون نظرية حديثة في علم اللغة إلا ويدللون على أصل لها عند عبد القاهر الجرجاني، ونحاول هنا أن نتوقف مع موضوع مهم أولاه الجرجاني عناية خاصة، ألا وهو الاستعارة بأقسامها المختلفة.

يعرف عبد القاهر الجرجاني الاستعارة بقوله: “اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون للَّفظ أصلٌ في الوضع اللغوي معروفٌ تدلُّ الشواهد على أنه اخْتُصَّ به حين وُضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غيرَ لازمٍ، فيكون هناك كالعارِيَّة”. (أسرار البلاغة), ويقصد من ذلك أن الاستعارة إنما هي مخالفة الأصل اللغوي لاستخدام لفظ ما، فالشاعر عندما يقوم بتوظيف اللفظ بشكل مغاير لما عليه الأصل اللغوي يكون بذلك قد قام بصنع استعارة، كأن يقول قمر صبوح، أي يقصد وجه المحبوبة التي شبّه وجهها بأنه مثل القمر في استدارته، فأخرج لفظ القمر عن أصل الموضوع في اللغة وهو الجرم السماوي المنير ليلاً في الليالي القمرية، وأخرجه من دلالته تلك إلى دلالة جديدة من خلال المشابهة.

ثم يتجه بعد هذا التعريف الذي ذكره مشروحًا إلى تقسيم الاستعارة، فيقول: “ثم إنها تنقسم أوّلاً قسمين، أحدهُما: أن يكون لنقله فائدة، والثاني: أن لا يكون له فائدة”. (أسرار البلاغة)، أي أن تكون الاستعارة إما مفيدة أو غير مفيدة وفقًا لاستخدامها، ثم يكمل توضيحه لهذين النوعين، فيقول: “وموضع هذا الذي لا يفيد نقله، حيث يكون اختصاصُ الاسم بما وُضع له من طريق أريدَ به التوسُّع في أوضاع اللغة، والتنوُّق في مراعاة دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها، كوضعهم للعضو الواحد أساميَ كثيرةً بحسب اختلاف أجناس الحيوان، نحوَ وضع الشفة للإنسان والمشْفَر للبعير والجحفلة للفرس، وما شاكل ذلك من فروقٍ ربما وجُدت في غير لغة العرب وربما لم توجد، فإذا استعمل الشاعر شيئًا منها في غير الجنس الذي وُضِع له، فقد استعاره منه ونقله عن أصله وجَازَ به موضعَه، كقول العجّاج “وفَاحمًا، ومَرْسِنًا مسرجًا”. (أسرار البلاغة)

والمقصود من هذا الصنف أنه غير مفيد في إحداث المشابهة والإتيان بجديد بل هو نوع من التوسع اللغوي للفظ، دون أن ينقل عن أصله نقلاً تامًا. ثم يعود الجرجاني بعد أن ضرب الأمثلة على النوع الأول، ليوضح لنا النوع الثاني من الاستعارة، فيقول: “وأمَّا المفيد فقد بانَ لك باستعارته فائدةٌ ومعنًى من المعاني وغَرَضٌ من الأغراض، لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك، وجملة تلك الفائدة وذلك الغرض التشبيه، إلا أنَّ طُرُقه تختلف حتى تفوت النهايةَ، ومذاهبه تتشعب حتى لا غاية، ولا يمكن الانفصال منه إلا بفصول جمّة، وقسمة بعدَ قسمة، وأنا أرى أن أقتصر الآن على إشارة تُعرِّفُ صورته على الجملة بقدر ما تراه، وقد قَابَلَ خلافَهُ الذي هو غير المفيد، فيتمّ تصوُّرك للغرض والمراد، فإن الأشياء تزداد بيانًا بالأضداد، ومثاله قولنا: رأيت أسدًا، وأنت تعني رجلاً شجاعًا، وبحرًا، تريد رجلاً جوادًا وبدرًا وشمسًا، تريد إنسانًا مضيء الوَجْه متهَلّلاً وسللتُ سيفًا على العدوّ تريد رجلاً ماضيًا في نصرتك، أو رأيًا نافذًا وما شاكل ذلك، فقد استعرت اسم الأسد للرجل، ومعلومٌ أنك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة، وإيقاعُك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه…”. (أسرار البلاغة)

لقد دل النوع الثاني من الاستعارة على إحداث المشابهة والانفصال عن المعنى اللغوي الأصلي للكلمة، لذا أصبح هناك معنى آخر جديد، يفارق المعنى الأصلي، كأن تقول: رأيت أسدًا، أي رجلاً شجاعًا، أو قمرًا، أي وجهًا مضيئًا، وغير ذلك من أوصاف تكون مفيدة لأنها فارقت أصلها اللغوي إلى معنى جديد، وهذا ما يسمى الاستعارة.

مقالات متعلقة
رأي
رأي 2020-يونيو-5
صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

كان الهدف المعلن لوسائل الإعلام الغربية، هو الترفيه والتسلية، وظل الأمر يسير في هذا الاتجاه قبل التحول الأكبر الذي شهده العالم الإعلامي من توجيه سهامه المسمومة، وتبدلت التسلية إلى نوع آخر من التدمير الفكري والثقافي للشعوب، وبدأت مرحلة دس السم في العسل في الظهور، فكيف استطاعوا القيام بذلك ونحن نيام لا ندري من أمرنا شيئًا؟

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-مايو-30
صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

وبخلاف ذلك التهميش هناك مجموعة من الأزمات التي تبدأ مع الشباب ابتداءً من سن المراهقة ووصولاً إلى بواكير الشباب، وأبرز تلك الأزمات مشكلة التفكك الأسري وعدم احتواء الشباب داخل بيئتهم الصغيرة، وينتج عن تلك المشكلة مجموعة من الأزمات المتلاحقة.

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-مايو-26
صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

يرى الكثير من المفكرين أن المغامرة مثيرة للاهتمام وجزء مهم لتحقيق النجاح، فإذا كنت تنوى أن تفتتح مشروعك وتخشى من المغامرة، فإنك إما أن تتراجع وتفشل، أو أن تكمل الأمر بالاستناد إلى الخبرة الكافية في المجال، ووقتها إما أن تنجح المغامرة أحيانًا وإما أن تفشل، لكنّ التجريب أفضل حالاً من عدمه، يمكنك أن ترى عددًا كبيرًا من المحيطين بك ممن خاضوا غمار الحياة وغامروا في كثير من أعمالهم، ومع ذلك هم أكثر الناس نجاحًا، لذا لا تنظر إلى السلبيات فقط، بل وازن بين الأمرين معًا.

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-مايو-22
صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

إن الاغتراب الوجداني اليوم يسيطر على فئة الشباب، ويجعلهم يحيون في عالمهم الخاص بعيدين عن محيطهم وذويهم، لا يجدون من يخفف عنهم ذلك الشعور، فينعزلون بعيدًا حيث الوحدة والعزلة والوحشة، مما يخلق جيلاً مدمرًا وهشاشًا لا يقوى على مواجهة الحياة ومصاعبها، ولا يتفاعل مع المحيط الأسري، ولا يفيد نفسه ولا غيره.

متابعة متابعة