نشرة SalamWebToday
قم بالتسجيل كي تصلك أسبوعيًا مقالاتنا في SalamWebToday!
نعتذر منك، حدث خطأ بسبب:
باشتراكك، أنت توافق على شروط سلام ويب و سياسة الخصوصية
النشرة الفنية

الاستعارة ودلالتها البلاغية عند عند عبد القاهر الجرجاني

ثقافة 19 Dhul Qidah 1441 AH

الاستعارة ودلالتها البلاغية موضع بحث ورأي معتبر عند كثيرين من أهمهم عبد القاهر الجرجاني والذي يعد من علماء اللغة أصحاب البصمة، وممن يمتلكون نظرة تحليلية ثاقبة، قلما يجود الزمان بمثلها، فقد استطاع في كتابيه الأثيرين: أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، أن يطرح رؤيته البلاغية والنقدية المتفردة، وأن يقدم تنظيرًا فريدًا ما زالت آثاره حاضرة إلى اليوم، بل إن بعض المتبحرين في الدراسات البلاغية القديمة لا يتركون نظرية حديثة في علم اللغة إلا ويدللون على أصل لها عند عبد القاهر الجرجاني.

الاستعارة ودلالتها

نحاول هنا أن نتوقف مع موضوع مهم أولاه الجرجاني عناية خاصة، ألا وهو الاستعارة بأقسامها المختلفة.

يعرف عبد القاهر الجرجاني الاستعارة بقوله: “اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون للَّفظ أصلٌ في الوضع اللغوي معروفٌ تدلُّ الشواهد على أنه اخْتُصَّ به حين وُضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غيرَ لازمٍ، فيكون هناك كالعارِيَّة”. (أسرار البلاغة)

ويقصد من ذلك أن الاستعارة ودلالتها إنما هي مخالفة الأصل اللغوي لاستخدام لفظ ما، فالشاعر عندما يقوم بتوظيف اللفظ بشكل مغاير لما عليه الأصل اللغوي يكون بذلك قد قام بصنع استعارة، كأن يقول قمر صبوح، أي يقصد وجه المحبوبة التي شبّه وجهها بأنه مثل القمر في استدارته، فأخرج لفظ القمر عن أصل الموضوع في اللغة وهو الجرم السماوي المنير ليلاً في الليالي القمرية، وأخرجه من دلالته تلك إلى دلالة جديدة من خلال المشابهة.

ثم يتجه بعد هذا التعريف الذي ذكره مشروحًا إلى تقسيم الاستعارة، فيقول: “ثم إنها تنقسم أوّلاً قسمين، أحدهُما: أن يكون لنقله فائدة، والثاني: أن لا يكون له فائدة”. (أسرار البلاغة)، أي أن تكون الاستعارة إما مفيدة أو غير مفيدة وفقًا لاستخدامها، ثم يكمل توضيحه لهذين النوعين، فيقول:

“وموضع هذا الذي لا يفيد نقله، حيث يكون اختصاصُ الاسم بما وُضع له من طريق أريدَ به التوسُّع في أوضاع اللغة، والتنوُّق في مراعاة دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها، كوضعهم للعضو الواحد أساميَ كثيرةً بحسب اختلاف أجناس الحيوان، نحوَ وضع الشفة للإنسان والمشْفَر للبعير والجحفلة للفرس، وما شاكل ذلك من فروقٍ ربما وجُدت في غير لغة العرب وربما لم توجد، فإذا استعمل الشاعر شيئًا منها في غير الجنس الذي وُضِع له، فقد استعاره منه ونقله عن أصله وجَازَ به موضعَه، كقول العجّاج “وفَاحمًا، ومَرْسِنًا مسرجًا”. (أسرار البلاغة)

نوع من التوسع اللغوي

والمقصود من هذا الصنف أنه غير مفيد في إحداث المشابهة والإتيان بجديد بل هو نوع من التوسع اللغوي للفظ، دون أن ينقل عن أصله نقلاً تامًا. ثم يعود الجرجاني بعد أن ضرب الأمثلة على النوع الأول، ليوضح لنا النوع الثاني من الاستعارة، فيقول: “وأمَّا المفيد فقد بانَ لك باستعارته فائدةٌ ومعنًى من المعاني وغَرَضٌ من الأغراض، لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك، وجملة تلك الفائدة وذلك الغرض التشبيه، إلا أنَّ طُرُقه تختلف حتى تفوت النهايةَ، ومذاهبه تتشعب حتى لا غاية، ولا يمكن الانفصال منه إلا بفصول جمّة، وقسمة بعدَ قسمة.

وأنا أرى أن أقتصر الآن على إشارة تُعرِّفُ صورته على الجملة بقدر ما تراه، وقد قَابَلَ خلافَهُ الذي هو غير المفيد، فيتمّ تصوُّرك للغرض والمراد، فإن الأشياء تزداد بيانًا بالأضداد، ومثاله قولنا: رأيت أسدًا، وأنت تعني رجلاً شجاعًا، وبحرًا، تريد رجلاً جوادًا وبدرًا وشمسًا، تريد إنسانًا مضيء الوَجْه متهَلّلاً وسللتُ سيفًا على العدوّ تريد رجلاً ماضيًا في نصرتك، أو رأيًا نافذًا وما شاكل ذلك، فقد استعرت اسم الأسد للرجل، ومعلومٌ أنك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة، وإيقاعُك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه…”. (أسرار البلاغة)

لقد دل النوع الثاني من الاستعارة على إحداث المشابهة والانفصال عن المعنى اللغوي الأصلي للكلمة، لذا أصبح هناك معنى آخر جديد، يفارق المعنى الأصلي، كأن تقول: رأيت أسدًا، أي رجلاً شجاعًا، أو قمرًا، أي وجهًا مضيئًا، وغير ذلك من أوصاف تكون مفيدة لأنها فارقت أصلها اللغوي إلى معنى جديد، وهذا ما يسمى الاستعارة.