خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

البيمارستان في الإسلام

يقصد بكلمةالبيمارستانالمستشفى، وهي كلمة فارسية الأصل ومعناهامحل المريض، وبدأت فكرةالبيمارستانباعتبارها أماكن لعلاج المرضى، منذ اتخاذ باحة المسجد النبوي في عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  لذلك الغرض، حيث قال ابن إسحاق في السيرة: “كان رسول الله قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رُفيدة في مسجده، كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة مَن كانت به إصابة من المسلمين“. وكان رسول الله  قد قال لقوم سعد بن معاذ حين أصابه السهم بالخندق: “اجعلوه في خيمة رُفيدة حتى أعود من قريش، فيفهم من ذلك أن نبينا محمد أول من أمر بالمستشفى الحربي المتنقل.

وقال تقي الدين المقريزي: “أول من بنى البيمارستان في الإسلام وداوى المرضى، الوليد بن عبد الملك في سنة 88 هـ في دمشق، لعلاج المكفوفين والمجذومين، وأعطى لكلّ مُقعد خادمًا. وكانت البيمارستانات موجودة في العصر العباسي، وقد بُني أولها في عهد هارون الرشيد، وذلك عندما دعا الخليفة الطبيب جبريل لبناء بيمارستان جديد في بغداد، وكان لكل ضرير قائد“.

يعد أول بيمارستان أنشئ في الشرق الأوسط كان في نيسابور من بلاد فارس ويعود تأسيسه إلى أوائل القرن الرابع الميلادي، وتولى الإشراف عليه الأطباء النساطرة ومنهم آل بختيشوع. ففي عام 148م أصيب الخليفة أبو جعفر المنصور بمرض في جهازه الهضمي، استعصى شفاؤه على أطباء بغداد فاستقدم جرجس بن بختيشوع الذي كان رئيسًا لذلك البيمارستان والمدرسة الطبية الملحقة به، فقام بمعالجته وعلى أثر ذلك كثُر اعتماد الخلفاء العباسيين على أطباء آل بختيشوع خاصة، فانتقل نشاط هؤلاء إلى بغداد.

وفي عهد الخليفة هارون الرشيد، أمر بإنشاء أول بيمارستان في بغداد، وقد أمر الطبيب جبرائيل بن بختيشوع بإنشائه، وقد عمِل فيه الطبيب ماسويه الخوزي ثم صار ابنه يوحنا رئيسًا له فيما بعد. ثم توالى إنشاء البيمارستانات في جميع الأقطار العربية والإسلامية، حتى تجاوز عددها فيما يقال الأربعمائة، موزعة بين سمرقند وديار بكر شرقًا، إلى غرناطة وقرطبة وفاس غربًا.

لم تكن البيمارستانات تسير دون نظام ولا ترتيب، بل كانت على نظام تام وترتيب محمود، إذ تسير أعمالها على وتيرة منتظمة، وهي مقسمة إلى قسمين منفصلين عن بعضهما؛ قسم للذكور وقسم للإناث، وكل قسم من هذين القسمين له عدة قاعات لمختلف الأمراض، فقاعة للأمراض الباطنية، وقاعة للجراحة، وقاعة للكحالة، وقاعدة للتجبيرإلخ.

وكان بعض المتقدمين من الأطباء، قد جعل له مجلسًا عامًّا لتدريس صناعة الطب للمشتغلين به، ولم يكن الأطباء يغفلون النظر في أبوال المرضى، ولهم في نظرها آراء وعلامات يتعرفون منها حالة البول من صحة وسقم.

وكانت تجرى تجربة مهارة الأطباء وأدلتهم، فقد أراد هارون الرشيد أن يمتحن بختيشوع الطبيب أمام جماعة من الأطباء، فقال الرشيد لبعض الخدم: أحضروا ماء دابةبولحتى نجربه. فمضى الخادم  وأحضر قارورة الماء، فلما رآه الطبيب قال: “يا أمير المؤمنين ليس هذا بول إنسان، فقال له أبو قريش وقد كان حاضرًا:” كذبت هذا ماء حظية الخليفة“. فقال له بختيشوع: “لك أقول أيها الشيخ الكريم، لم يبل هذا إنسان البتة، وإن كان الأمر على ما قلت، فلعلها صارت بهيمة“.

فقال له الخليفة: “من أين علمت أنه ليس ببول إنسان؟، فقال بختيشوع: “لأنه ليس له قوام بول الناس ولا لونه ولا ريحه، ثم التفت الخليفة إلى بختيشوع وقال له: “ما ترى أن نطعم صاحب هذا الماء؟، فقال: “شعيرًا جيدًا“. فضحك الرشيد ضحكًا شديدًا، وأمر فخلع عليه خلعة حسنة جليلة، ووهب له مالاً وافرًا، وقال: “بختيشوع يكون رئيس الأطباء كلهم، وله يسمعون ويطيعون“.

وكانت تترك للطبيب الحرية الكاملة في العلاج وصناعة الأدوية واستنباط الأحكام الخاصة بالأمراض.