خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

التحدي الصعب: سيدنا يوسف وامرأة العزيز

ID 116560475 © | Dreamstime.com

لما تكن المهمة سهلةً كما يتخيل البعض، بل إنها مسألة احتاجت إلى تدريب وحفظ من الله وخشية وعناية خاصة، استطاع سيدنا يوسف من خلالها التغلب على نفسه ومنعها من الوقوع فيما حرم الله تعالى. فكيف واجه يوسف عَليه السَّلام إغراء امرأة العزيز حينما راودته عن نفسه، وغلَّقت الأبواب في بيتها؟ بل كيف عاش التحدي وتغلب على مسألة الشهوة في تلك اللحظات الحرجة، وذلك حينما هيَّأتْ له الظروفَ المناسبة للقيام بذلك في سرية تامة؟ مع الأخذ بأنها امرأةٌ ذات منْصبٍ وجمالٍ، وهي لن تحميه وتتستر عليه فقط، بل ستكرمه وتغدق عليه مما يشاء!

كانت المهمة صعبة لأنها وبكل بساطة  سيدتهُ، وهو عَبْدٌ مأمورٌ عِندها؛ لا يعرفه من أهل البلد قريبٌ أو بعيدٌ، ولكن رغم هذا فقد واجه يوسف عَليه السَّلام هذا التحدي بإيمان قوي، وعزم أكيد، فعصم نفسَه قائلاً: “قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ  إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ” (سورة يوسف: 23)،  ومع ذلك فقد استمرت امرأة العزيز متمادية في إغرائها قائلةً: “وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ  وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ  (سورة يوسف: 32).

وفي تلك اللحظة بلغ التحدي قمته، وأخرج سيدنا يوسف عليه السَّلام جميع طاقاته الإيمانية والروحية، فالتجأ في تلك اللحظات الحاسمة إلى مَن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومن بيده مقاليد الأمور، مستجيرًا وخاضعًا: “قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ  وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ” (سورة يوسف: 33).

لقد رأى النهاية بعينيه فأظهر الخوفَ على نفسه في حرقةٍ ووجلٍ، حينما يتصور فجيعة الأمر وحرمته وأثره على نفسه وعلى سيده الذي أكرمه، فيأتيه الفرج من رب العالم: “فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ  إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (يوسف: 34)، ويتجه سيدنا يوسف إلى ربه داعيًا بأن يكون الحل قريبًا، فإذا بالفرج يأتي من خلال محنة السجن: “ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ” (يوسف: 35)، وتضيق الدنيا عليه مرة أخرى ولكنه صابر شاكر مبتعدًا عن الرزيلة ومكائد الغواة: “فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ” (يوسف: 42).

إنه تحدٍ خطير يواجه بإيمان قوي وعزيمة لا تلين تحلى بهما سيدنا يوسف، ليحصل بعد ذلك على مكافأة، فيصرف الله الفحشاء عنه  ويجعله من المخلصين: “كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ” (سورة يوسف: 24). إنها التقوى في معناها الحقيقي والصبر المستمر والمكابدة الطويلة، إنها مرتبة الإحسان التي حصل عليه بعد تعب ومشقة ومجاهدة مع النفس: “قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا  إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ” (سورة يوسف: 90).

لقد ضرب سيدنا يوسف لشبابنا أروع الأمثلة في العفة والطهارة وعدم الاستسلام للنفس، فقد كان في سن الشباب وكان في وضع يؤهله لفعل أي شيء، لكنه امتنع والتزم بأمر الله. وهنا نسأل: هل سينجح شباب اليوم في مثل هذا التحدي؟ هل يمكنهم أن يتخطوا تلك العقبات بصبر وعزيمة وإيمان، أم أنهم سيسقطون فريسة لضعف الإرادة وقلة الصبر أمام تلك الشهوات المحدقة التي تحيط بهم من كل صوب؟

إن شبابنا اليوم يحتاج إلى الاقتداء بسيدنا يوسف في صبر وتحمله، ويحتاج إلى أن يكابد ويلات نفسه أولاً، ثم ويلات الخارج ثانيًا، وهي عملية تحتاج إلى تمرين باستمرار، وطلي العون من العلي القدير، فالسقوط سهل المنال، أم الصبر والاحتمال والمقاومة فهي مسألة أخرى تتطلب العمل واليقظة والخشية من الله، فهل يفيق شبابنا من غفوتهم؟ وهل يقبلون التحديات بصبر ورضا من الله؟ وهل تنجح الأمة في النجاة من الفتن المحدقة بها، أم تسقط على مرمى حجرة؟