خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

التدرج العلمي وفوائده

التدرج العلمي هو الأصل في وصول الإنسان إلى مراتب عليا من التعلم ، لكن الفرد منا مهما بذل من جهد لن يستطيع أبدًا الوصول إلى غاية الأمر مرة واحدة، والتدرج العلمي، أي: الانتقال من مرحلة إلى أخرى ومن علن إلى آخر وفق ضوابط محددة، وجدت قبولاً واكتسبت مكانة عالية، نظرًا لما حققته من نتائج على أرض الواقع، بحيث أضافت للطلاب متسعًا من الوقت وتقسيمًا للجهد، لكي يصلوا إلى مراحل متقدمة في مدة قليلة.

فوائد التدرج العلمي

وللتدرج العلمي فوائد كثيرة مثل: أولاً: سهولة العلوم على طالبها إذا سار على هذه الطريقة. ثانيًا: الضبط والإتقان للعلم المأخوذ بالتدرج. ثالثًا: إن هذه الطريقة تميز بين الطالب المجد من غيره، وتظهر بواسطتها الفروق الفردية بين الطلبة وتفاوت قدراتهم في التحصيل. والأمر الأهم أن القدرات العقلية لطالب العلم تكون أكثر استيعابًا للمواد المدروسة، نظرًا لعدم إثقال عقل الطالب بكثرة المهام والمعلومات والمتون، بل يحدث تفريغ لعقله ليتلقى الأسهل فالذي يليه في السهولة وصولاً إلى الصعب فالأكثر صعوبة.

وقد أثنى أهل العلم والعلماء قديمًا وحديثًا على التدرج العلمي واعتبروه أداة تنظيمية مهمة للغاية، ومن ذلك ما قاله ابن عبد البر رحمه الله تعالى في جامع بيان العلم وفضله: عن يونس بن يزيد قال: “قال لي ابن شهاب: يا يونس لا تكابر العلم فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي”.

العلم بحر لا يحاط

وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: “العلم أكثر من أن يحاط به، فخذوا منه أحسنه”. أي أن نتخير منه الأحسن فندركه. وقال الخليل بن أحمد: “اجعل تعليمك دراسة لك، واجعل مناظرة العلم تنبيهًا بما ليس عندك، وأكثر من العلم لتعلم، وأقلل منه لتحفظ”. وقال الأصمعي: “سمعت أعرابيًا يقول: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني لك ذاكر، وهيهات أن يظهر الود المستقيم، من القلب السقيم”.

ويتحدث الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى عن التدرج في طلب العلم وكيف يكون، وفائدته، فيقول: “وينبغي له أن يثبت في الأخذ ولا يكثر، بل يأخذ قليلاً قليلاً حسب ما يحتمله حفظه ويقرب من فهمه، فإن الله تعالى يقول:

“وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا”.(سورة الفرقان: 32)

وقال أيضًا: “اعلم أن القلب جارحة من الجوارح تحتمل أشياء وتعجز عن أشياء، كالجسم الذي يحتمل بعض الناس أن يحمل مائتي رطل، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلاً، وكذلك منهم من يمشي فراسخ في يوم لا يعجزه، ومنهم من يمشي بعض ميل فيضر ذلك به، ومنهم من يأكل من الطعام أرطالاً، ومنهم من يتخمه الرطل فما دونه، فكذلك القلب”. لذا لا تحمل نفسك فوق ما تحتمل، وخذ ما تقدر عليه، ثم إذا أتقنت، فإنه يمكنك البدء من جديد.

ابن خلدون والتدرج

ويوضح ابن خلدون رحمه الله تعالى التدرج فيقول: “اعلم أن تلقين العلوم إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدريج شيئًا فشيئًا وقليلاً قليلاً، يُلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن…”. ثم يستزيد ابن خلدون في شرحه عن تلك المسألة فيرى أن الأمور يمكن أن تأخذ من بعض الطلاب ثلاث دورات من التكرار ليتم فهم المسألة، وعند بعضهم يمكن أن تأخذ أقل من ذلك أو أكثر، فالأمر هنا مرهون بعملية القدرة على التحصيل.

إن أصابع اليد الواحدة ليست متساوية، وهكذا الأمر بالنسبة للطلاب، فبعضهم كثير التحصيل قليل النسيان، وبعضهم عكس ذلك، ولذا يجب مراعاة الفوارق الفردية بين الطلاب، وأن يتم استخدام التدرج العلمي لإفادتهم وتمكينهم من العلم وتثبيت المسائل في العقول.