خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

التشجيع بالكلمة باب من أبواب التميز

ID 111440716 © Viorel Margineanu | Dreamstime.com

النفس الإنسانية تميل إلى سماع الكلام الطيب الذي يشجع على العمل والإنتاج، والوصول إلى الدافعية المطلوبة، فالكلام الطيب له أثره الفريد، وكلمات مثل الشكر أو الثناء للشخص الذي أحسن إليك تكون من أقوى المحفزات التي تدفعه للعمل والإحسان والإجادة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ومن صنعَ إليكم معروفا فكافئُوهُ، فإن لم تجدوا ما تُكافئونهُ فادعوا له حتى ترَوا أنكم قد كافأْتموهُ”. وقد أمر الله عباده بأن يختاروا كلماتهم بعناية، وأن يأخذوا من الكلام أحسنه وألينه، فقال تعالى: “وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (سورة الإسراء: 53).

ومهارة الكلمة فن من الفنون التي تميز الإنسان وتجعله قادرًا على التواصل مع الآخرين، ومن ثم فإن تلقي كلمات التشجيع تكون مؤثرة لأقصى درجة، وإذا نظرنا إلى آيات القرآن وجدناها حافلة بهذا التشجيع الثري الدال على الخير، ويدفع عباد الله إلى التميز ويحفزهم بشكل متقن إلى الخصال الحميدة، فالله تعالى حين ينادي عباده في مواقف كثيرة بقوله: “يا أيها الذين آمنوا”. وهو نداء يستشعر سامعه التقدير وأنه أصبح متميزًا عمن سواه، فيصبح مهيأً لتلقي الأمر من الله تعالى أو النهي، وتصبح طاقته في أعلى درجاتها. ولنا أن نتأمل ما قالته الملائكة للسيدة مريم عليها السلام: “يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ”. (سورة مريم: 42)، فهذا الثناء والمدح يحفز النفس على العمل ويجعلها متقبلةً للأمر التالي: “يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ” (سورة مريم: 43)، مما يكون له أثره في التأثير والاتباع.

وتتعدد الأوصاف التي وردت في كتاب الله والكلمات المشجعة التي تحفز الهمم، وتدفع النفوس إلى العمل والإنتاج، ولنقرأ هذا الوصف العجيب لبعض من عباد الله المؤمنين: “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً”. (سورة الأحزاب: 23)، مما يكون له بالغ الأثر في رفع همم المؤمنين ونفوسهم الكريمة للتحلي بتلك الصفات.

وإذا انتقلنا إلى السنة النبوية وجدناها حافلةً بهذا النوع من التشجيع، فالنبي صلى الله عليه وسلم، كان يمدح أصحابه ويشجعهم على العمل، ولم يترك صلى الله عليه وسلم موقفًا من المواقف التي تستدعي مهارة الكلمة وتأثيرها الطيب، إلا وقد قال فيه وأجزل العطاء، وكان يشجع أصحابه وينزلهم مكانتهم التي يستحقونها، فها هو يقول لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: “ولو كنت متخذًا خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُد، إلا باب أبي بكر”. ويقول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إيه يا ابنَ الخطَّابِ، والذي نفسي بيدِه، ما لقِيَك الشيطانُ سالكًا فجًّا إلا سلَك فجًّا غيرَ فجِّك”. ثم يقول لعثمان بن عفان رضي الله عنه: “ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ “.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يشجع أصحابه في أوقات العسر قبل اليسر، فإذا قامت الحرب وتلاحمت السيوف حث المؤمنين على القتال وشد من أزرهم، ومن ذلك أنه قال لعليٍّ رضي الله عنه: “لأُعطِينِّ الرايةَ غدًا، أو ليأخذنَّ الرايةَ غدًا رجلٌ يحبُّه اللهُ ورسولُه، يفتحِ اللهُ عليه”، ثم يعطيها عليًا، ويقول له: “ألا ترْضَى أنْ تكونَ مِنِّي بمَنْزِلَةِ هارونَ مِن مُوسَى؟ إلا أنهُ ليس نبيٌّ بَعْدِي”. ويقول لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: “ارمِ فداكَ أبي وأمِّي وقالَ لهُ ارمِ أيُّها الغُلامُ الحزَوَّرُ”، والحزور تعني الغلام القوي. ويثني على معاذ فيقول: “والله إني لأحبك”. ويمدح خالد بن الوليد رضي الله عنه فيقول: “نعم عبد الله خالد بن الوليد سيف من سيوف الله”. وكان من أشد كلمات التشجيع أنه قال لأُبي بن كعب رضي الله عنه: “إنَّ اللهَ أمَرَني أن أُقرِئَكَ القرآنَ”، قال: آللهُ سمَّاني لك؟ قال: “نعمْ”، قال: وقد ذُكِرتُ عِندَ ربِّ العالمينَ؟ قال: “نعمْ”. فذَرَفَتْ عَيناه.

إن الكلمات أسلحة مهمة يجب أن نعلم كيف نستخدمها بعناية، لأنها باب من أبواب التميز والرقي والتحفيز إلى العمل والإنتاج والعطاء.