خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

التضحية

annie-spratt-yrzBgqapG1I-unsplash
Annie Spratt-Unsplash

تعتبر التضحية من الأمور الغالية والتي لا يستطيع كثير من الناس القيام بها، إنها تحتاج إلى مؤهلات خاصة وأخلاق عالية، إنها نوع من البذل والعطاء والإيثار والفداء، يتم من خلالها تقديم المال أو النفس أو بعض ما يملك الإنسان من أجل حياة الآخرين ومعاشهم دون أن يأخذ مقابلاً عن ذلك أو ينتظر مكافأة له، وإنما يكون هدفه الأول والأخير رضا الله تعالى وخدمة الناس وإجارتهم مما هم فيه من أمور قد تؤلمهم.

والشخص المُضحي عادة ما يكون سليم القلب، عالي الهمة، يسير في الحياة فيرى الناس كلهم إخوة له، لا يفرق بين قوي وضعيف، كما أنه يرى خدمة الآخرين واجبًا وضرورة حياتية، لا تستقيم الحياة إلا بها، ولذا فهو شخص فريد يمتلك حاسة خاصة، وله مميزات فريدة وروح وثابة ومتقدة ونفس عزيزة لا ترضى الهوان ولا تغريها الأطماع. إنه شخص يبيع دنياه من أجل آخرته، تراه مستقيمًا في حياته وفكره وسلوكياته مع نفسه ومع الآخرين، وهو في ذلك كله لا ينحاز إلا للحق والصدق من القول والعمل.

وتكون التضحية فيما يحبه الإنسان ويكره فناءه، ولا يوجد تضحية أعظم من التضحية بالنفس فهي وسام الشرف والرفعة، وكم من الأبطال الشجعان الذين ضحوا بحياتهم فداءً لغيرهم كي يعيشوا ويسعدوا في حياتهم، فالجندي الذي يرى الخطر أمام عينيه فيحاول منعه بمفرده فيموت وحده ليسلم الباقي، يقف على ذروة التضحية وسنامها فرحًا مسرورًا. وكذلك التضحية ببعض الممتلكات من أجل صيانة بعض المسلمين والحفاظ على حياتهم، إذ نرى مع وقوع بعض الكوارث، أن هناك بعض الناس ممن لديهم ممتلكات أو أراض يقومون بإعطاء غيرهم جزءًا منها لاستخدامها وبناء بيوتهم فيها، وهذا جانب مهم من جوانب التضحية أيضًا.

وهناك تضحية ضمنية تكون بالعمر والطاقة والشباب، فالأم التي يموت عنها زوجها، قد تضحي من أجلهم فتأبى الزواج وتظل ترعاهم، وكأن أباهم ما زال حيًا وتقوم بدور الأم والأب معًا, وتتغاضى عن بعض متع الدنيا، وعن الراحة، وتضحي بنفسها وشبابها من أجل حياة أبنائها على الطريقة التي تحبها وتفضلها لهم. كذلك الأمر بالنسبة للشاب الذي يجد نفسه في سن صغيرة مسؤولاً عن إخوته البنات بعد موت الأب، فيضطر للعمل عليهن والإنفاق والتكاليف المختلفة حتى يتزوجن، وعندها يجد نفسه ربما قد تخطى الأربعين سنة وهو دون زواج، لقد ضحى بجزء كبير من حياته من أجل غيره لكي يسعدهن ويضمن لهن الحياة الكريمة العفيفة.

وهناك من الناس من نذر ماله لله تعالى، ينفق منه آناء الله وأطراف النهار، تجده غير كاسد ولا متخاذل، يبحث دائمًا عن الفقراء وأبواب الإنفاق المختلفة، تجده لا يبقى على حال، ولا يترك بابًا من أبواب الخير إلا وبذل فيه من المعروف والخير، إن هذا الشخص قد بذل ماله ابتغاء مرضات الله، لم يقل جمعته بالتعب والسهر، بل قال هي لله من وإليه ترد، أنا لم أبذل جهدًا بل إنه رزق ساقه الله إليّ. هل تستوي تلك التضحية مع أناس لم يقدموا شيئًا لله طوال حياتهم على الرغم مما يملكون من الأموال؟ بالطبع لا، فلكل عمله وجهده ولا يظلم ربك أحدًا.

وهناك من كان له علم فبذله في سبيل الله، لكنه لم يقل هذا وقتي المحدد لذلك، بل قال هذا وقت الناس وجهدي مصروف لهم، فضحى بوقته من أجل غيره، ليزودهم بالخير والعلم النافع، وكان قادرًا على توفير وقته، إلا أنه ضحى به ابتغاء مرضات الله تعالى.

إن أبواب التضحية عديدة ومفتوحة، وتحتاج إلى من يدخل منها باذلاً الجهد والعمل الصالح، ليستقيم المجتمع وتسلم أركانه ويتعاضد بعضه ببعض، ويصبح كالبنيان المرصوص.