خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

أخلاق التعايش في الإسلام

التعايش في الإسلام هو أساس يقوم عليه الدين بكامله، إذ تضم المنظومة الأخلاقية للدين، جملةً من الأخلاق التي يمكن أن نسميها: “أخلاق التعايش”، والتي يقصد بها مجموعة الأخلاق المنظمة لشؤون المجتمع الإسلامي وعلاقاته المتداخلة بين أبنائه فيما بينهم، أو على صعيد العلاقات مع غيرهم، وتعمل تلك الأخلاق على ترسيخ التعاون والتكافل والتضامن بين الناس.

معيار التعايش في الإسلام

وقد وضع الإسلام معيارًا للتعايش بين الناس يقوم على التكافل بين بعضهم بعضًا، أو ما يُسمى بـ “الأخوة الإيمانية”، وهي أخوة مبنية على أساس أن جميع المسلمين أخوة، فالمسلم أخو المسلم. وقد مثلت “المؤاخاة” في المرحلة الأولى لقيام الدولة الإسلامية في المدينة، هذا التكافل بشكل أكثر عمقًا، وحدث اندماج ومساندة وتضامن بين الجميع في جو من الألفة والتعايش بين المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم جميعًا.

لبنات التعايش وأركانه

ولذا كانت اللبنة الأولى للتعايش في الإسلام هي المؤاخاة، بحيث أصبح كل واحدٍ من المهاجرين أخًا لواحد من الأنصار، فحدث تماسك وتضافر وتعاون، وقام أصحاب الدار وهم الأنصار بالعطف على المهاجرين، ولكن المهاجرين كانت لهم همة عالية، فاتجهوا إلى العمل للكسب والإنتاج، ومن ثم تزوجوا وكونوا المجتمع الإسلامي الكبير بعد ذلك.

أما اللبنة الثانية فكانت في إعلان التكافل بين الناس، وأن الغني لا بد أن يغدق من ماله على غيره من الفقراء، فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعًا إسلاميًّا متعاونًا ومتكافلاً في المدينة، تربطه الأخوة في الله، وهي درجة تفوق ما يطلق عليه الآن مصطلح “المواطنة”، ولذا فقد قامت بين المسلمين علاقات اجتماعية متينة وروابط إيمانية قويمة، فالإسلام رحِمٌ بين أهله.

أما اللبنة الثالثة للتعايش فقد زرع الإسلام مجموعة من الأخلاقيات الحسنة التي تقيم العلاقات، مثل: الألفة والمحبة وإظهار الود، والإخلاص والصدق، والتراحم والنصرة والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وصلة الأرحام وإطعام الطعام، وغير ذلك من أخلاق حميدة تدفع الناس نحو الخير والتماسك والإحساس بالآخرين ودعمهم بقدر المستطاع.

ولكل هذا أثره المحسوس في إحداث الامتزاج والاندماج بين الأفراد بشكل في مساواة بين جميع الأطياف، بما قوض الفوارق والعراقيل الطبقية والاجتماعية والحواجز النفسية. لقد كانت القاعدة التي وضع لبنتها النبي صلى الله عليه وسلم تقوم على التضامن، ولكنه تضامن من نوع آخر: “مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. لذا كانت وحدة المسلمين تقوم على هذا التكاتف الفريد من نوعه.

روح الاتحاد تسري

لقد أوجب التعايش في الإسلام على كل فرد من أفراد المجتمع مسلمًا كان أو غير مسلم، أن يسير بروح الجماعة وأن ينسجم مع مصلحتها العامة، وأن يسعى لتحقيق أهدافها، ومن هنا تطابقت الرغبات والطموحات الشخصية مع الرغبات الجماعية، وأصبح حق المواطنة بتلك الصورة محققًا، لأن الوطن والحياة المشتركة والحضارة توجب مثل هذا الحب والولاء، بما يضمن التضامن في معناه العام للجميع دون استثناء. وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم هذا التعايش بقوله: “من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له”، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”. وفي هذين الحديثين وغيرهما ما يدل على أساس التعايش والتكافل بين الأفراد في الإسلام.

وهكذا يشكل التعايش جوهر المنظومة الأخلاقية في الإسلام، وأن التضامن والتكافل في جميع الأفراد هو الأساس الذي يجعلهم جسدًا واحدًا وروحًا واحدة تشعر بالألم معًا، أو الفرح معًا، وهذا ما شكل الروابط الداخلية التي ظلت تنمو وتزدهر في البواكير الأولى في المدينة المنورة. ويكفي أن فقهاء الإسلام قد اعتبروا الجميع متحملين للمسؤولية الجنائية في بلد ما، إذا مات فرد بينهم جوعًا، وذلك إعلاء للتعايش بين أفراد المجتمع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للاستزادة انظر: العدل والتسامح في ضوء الإسلام، السيد أحمد المخزنجي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006م.