التلاقي الثقافي مع الغرب: إشكاليات الاتصال المعرفي بالثقافة الغربية

ثقافة 28 Shawwal 1441 AH Contributor
التلاقي الثقافي مع الغرب

من الجيد أن ندشن نحن العرب التلاقي الثقافي مع الغرب لكن لا شيء يتم دون ضريبة، إذ تقوم المعارف البشرية والثقافات الوطنية بعملية تلاقح ومثاقفة مستمرة، ولا يزال الإنسان منذ خلقه الله تعالى يتصل بغيره من البشر في الحياة، فيأخذ منه وعنه، ويتصبح بينه وبين غيره من الناس ألفة وتعارف وتداخل، وهذا التعارف من سنن الله في خلقه، ليحدث التعايش الإيجابي بين البشر، ولتثمر حياتهم بالحب والإخاء: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”. (الحجرات: 13)

التلاقي الثقافي مع الغرب بين الاستفادة والضرر

ورغم أن عوامل التأثير والتأثر قد غدت الآن أكثر استفحالاً وبروزًا عن ذي قبل، وأصبحت الشعوب على تواصل فيما بينها، فإن ذلك لم يكن عاملاً لذوبان الفوارق الحضارية بينها، ولم يُزل الاختلافات البينية، ولم يوحد الأمم كافة: “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ”. (سورة المائدة: 48).

فلم يلغِ التأثير والتأثر في أن يحتفظ شعب ما بعاداته وتقاليده وسماته الأولية المميزة له، بل أن الأكثر عجبًا أن كل أمة باتت تؤكد على تميزها وترفع لذلك شعارات خاصة بها، ولعل فكرة الغيرية والاختلاف هي ما تجعلنا نشعر بسعادة عند القيام برحلة أو زيارة مكان جديد لم نره من قبل.

وقبل أن ندخل إلى الحديث عن ملابسات الاتصال بالثقافة الغربية المعاصرة، فإن يجب الإشارة إلى طبيعة التداخل الفكري والثقافي بين الأمة الإسلامية والأمم الأخرى منذ العصر الأموي، فقد بدأ اتصل العرب المسلمون بالثقافات الأخرى كالفارسية، والبيزنطية، واليونانية، وقد نشأت حركة ترجمة نشطة في العصر الأموي، وكان العرب يأخذون ما يجدونه ملائمًا مع طبيعة ثقافتهم ولغتهم وحالتهم الفكرية، فلا يهدرون تميزهم، وفي الوقت نفسه لا ينغلقون على أنفسهم.

الأخذ بما يتفق معنا

ولذا فإنهم استطاعوا القيام بالمعادلة الصعبة: “رفضوا فنَّ التصوير والنحت لمخالفته للإسلام، واستمدُّوا منه في الزخرفة وفي العمارة ما يلائمهم، وأضافوا إليه من عندهم ما أنشأوا به فنًّا عربيًّا فذًّا، وتوسّعوا في نقل النظريات الرياضية والعلوم المجرّدة والتطبيقية والتجريدية، مما لا مجال فيه للارتباط بالعقائد الدينية والقِيَم الخلقية والسلوك الاجتماعي”. (مقالات في الأدب واللغة- محمد محمد حسين، ص 21).

لكن هذا الوضع الاستثنائي لم يعد موجودًا في الاتصال بالثقافة الغربية المعاصرة، فقد كانت المعادلة القديمة تقوم على التمييز والابتكار ودمج الآخر دون أن يُلغي شخصيتك أو يحد من قدراتك، ولكن هنا حدث شرخ عميق في بنية الفكر العربي المعاصر، إذ لا يمكنه التجاور أو التميز في هذا الإطار الثقافي المعولم الجديد. فمنذ بداية عصر النهضة الأوروبي في نهايات القرن الثامن عشر، حدث اتصال وثيق الصلة بالثقافة الغربية، وسارت الثقافة العربية والإسلامية داخل تيار مد أوروبي وغربي، فتم صنع النسيج الثقافي على يد تلك القوى الثقافية والاستعمارية الطاغية، مما كان له بالغ الأثر في ضياع الشخصية العربية وفقدان تميزها الحضاري في تلك المرحلة.

وكان لهذا التخلف الحضاري الذي شهدته الثقافة العربية في تلك المرحلة، مجموعة من العوامل المؤثرة، نذكر منها:

  1. تقدم الغرب وتأخر العرب، مما خلق حالة من الانبهار بكل ما هو غربي، وبدأت محاكاة الغرب في كل شيء دون حساب للاختلافات البينية، فحدث نوع من الاستلاب الحضاري وما يسمه البعض بالقابلية للاستعمار.
  2. ما خلفه الاستعمار العسكري الغربي من نظم وأفكار وأعوان على أرض الواقع، ليكمل هدفه بعد أن خرج من الأراضي التي امتلكها بقوة السلاح سنوات طوال.
  3. فقدان الثقة بالذات نتيجة الانكسارات المتتالية على الأمة الإسلامية والعربية.
  4. توقف المد الإسلامي منذ سقوط الدولة الثمانية، وتضييق الخناق على الشعوب الإسلامية، والسيطرة على مقدراتها.
  5. اشتداد الغزو الفكري المدروس من خلال القوى الداخلية والخارجية، مما أدى لفقدان الثقة بالذات، وتعظيم مشاعر الانكسار، والنظر إلى الإنسان الغربي باعتباره المثل والقدوة.
  6. حالة التشرذم والضعف والتشتت التي تسيطر على الأمة الإسلامية اليوم، مع ضعف خططهم للتصدي لذلك.
  7. انتشار وسائل الاتصال المباشرة مع الآخر، مما سهل من عمليات تلاقح الأفكار ودخولها من كل النوافذ، بما ساهم في التفريط في الهُوية الوطنية للشعوب.